مقالات

  • رقائق في كل شيء: كيف سيتغير العالم مع انتشار الحواسيب إلى الأشياء اليومية

    ترجمة: علاء الدين أبو زينة بينما تصبح أجهزة الحاسوب والاتصال أرخص ثمناً، سيكون من المنطقي إدخالها في المزيد والمزيد من الأشياء التي ليست حواسيب في حد ذاتها -من الجرارات الزراعية وآلات القهوة، إلى الأبقار والروبوتات الآلية- خالقة ما يدعى إنترنت الأشياء أو iot. وهي ثورة بطيئة تتسارع منذ سنوات، حيث وجدت الحواسيب طريقها إلى السيارات والهواتف وأجهزة التلفاز. لكن هذا التحول على وشك الدخول في طور أوسع نطاقاً وأكثر سرعة. ووفق أحد التوقعات، فإن العالم سيضم، بحلول العام 2035، نحو تريليون حاسوب متصل، مدمج في كل شيء، من تغليف المواد الغذائية إلى الجسور والملابس . * * * في التاسع والعشرين من آب (أغسطس)، بينما كان إعصار دوريان يتجه نحو الساحل الشرقي لأميركا، أعلن إيلون موسك، رئيس شركة تسلا، صانعة السيارات الكهربائية الشهيرة، أن بعض زبائنه في طريق العاصفة سيجدون سياراتهم وقد طورت فجأة القدرة على المضي مسافة أبعد بشحن البطارية الواحد. ومثل العديد من السيارات الحديثة، فإن أفضل تفكير في منتجات موسك هو اعتبارها أجهزة كمبيوتر متصلة بالإنترنت وتسير على عجلات. وتحتوي الموديلات الأرخص في مجموعة تسلا على أجزاء معطلة من بطارياتها بواسطة برنامج السيارة من أجل الحد من مداها. وعند النقر على لوحة مفاتيح في بالو ألتو ، تمكنت الشركة من إزالة هذه القيود ومنح السائقين وصولاً مؤقتاً إلى الطاقة الكاملة لبطارياتهم . تعرض سيارات موسك المحوسبة مجرد مثال على اتجاه أوسع نطاقاً بكثير. فبينما تصبح أجهزة الحاسوب والاتصال أرخص ثمناً، سيكون من المنطقي إدخالها في المزيد والمزيد من الأشياء التي ليست حواسيباً في حد ذاتها -من الجرارات الزراعية وآلات القهوة، إلى الأبقار والروبوتات الآلية- خالقة ما يدعى إنترنت الأشياء أو iot. وهي ثورة بطيئة تتسارع منذ سنوات، حيث وجدت الحواسيب طريقها إلى السيارات والهواتف وأجهزة التلفاز. لكن هذا التحول على وشك الدخول في طور أوسع نطاقاً وأكثر سرعة. ووفق أحد التوقعات، فإن العالم سيضم، بحلول العام 2035، نحو تريليون حاسوب متصل، مدمج في كل شيء، من تغليف المواد الغذائية إلى الجسور والملابس . سوف يجلب مثل هذا العالم العديد من الفوائد. سوف يحصل المستهلكون على مزيد من الراحة، بينما يحصلون أيضاً على منتجات يمكنها القيام بأشياء لا يمكن للإصدارات غير المحوسبة منها القيام بها. وعلى سبيل المثال، تأتي أجراس الأبواب الذكية من أمازون مزودة بأجهزة استشعار الحركة وكاميرات الفيديو. وهكذا، يمكنها أن تكوِّن، بالعمل معاً شبكة دائرة تلفزيونية مغلقة، أو مراقبة بالفيديو، وهو ما يتيح للشركة أن تقدم لعملائها مخططا لمراقبة رقمية للحي وتمرير أي فيديو مثير للاهتمام إلى الشرطة . وسوف تكسب الأعمال والشركات مزيدا من الكفاءة أيضا، حيث تتحول المعلومات عن العالم المادي، التي اعتادت أن تكون سريعة الزوال وغير مؤكدة، لتصبح ملموسة وقابلة للتحليل. وسوف تساعد الإضاءة الذكية في المباني في توفير الطاقة. يومكن للآلات المحوسبة أن تتنبأ بحدوث أعطالها وأن تجدول أعمال الصيانة الوقائية الخاصة بها. وبالنسبة للأبقار المتصلة (بالإنترنت)، سوف يصبح من الممكن تعقب عاداتها الغذائية وعلاماتها الحيوية في الوقت الحقيقي، مما يعني أن تنتج المزيد من الحليب، وتأن تطلب أدوية أقل عندما تمرض. وتبدو هذه المكاسب صغيرة لدى أخذ كل واحد منها على حدة، لكنها ستشكل، بينما تتضاعف مرات ومرات في الاقتصاد، مادة خاماً للنمو وربما الكثير جداً منه . مع ذلك، سوف تتجلى الآثار الأكثر وضوحاً لإنترنت الأشياء على المدى الطويل في كيفية عمل العالم. وإحدى طرق التفكير في ذلك هي تأمل المرحلة الثانية للإنترنت. سوف يحمل هذا الإنترنت معه نماذج الأعمال التي هيمنت على المرحلة الأولى -على سبيل المثال، الاحتكارات الطاغية لـالمنصات المهيمنة، أو النهج القائم على البيانات الذي يسميه النقاد رأسمالية المراقبة. وسوف تصبح المزيد من الشركات شركات تكنولوجيا. وسوف يصبح الإنترنت كلّي الانتشار. ونتيجة لذلك، فإن سلسلة من الجدالات غير المحلولة حول الملكية، والبيانات، والمراقبة، والمنافسة والأمن سوف تنساب من العالم الافتراضي إلى العالَم الحقيقي . ولنبدأ بالمُلكية. كما أظهر السيد موسك (في حالة السيارات الكهربائية أعلاه)، فإن الإنترنت يمنح الشركات القدرة على البقاء على اتصال بمنتجاتها حتى بعد بيعها، مما يحول هذه المنتجات إلى شيء أقرب إلى الخدمات منه إلى السلع. وقد أدى هذا مسبقاً إلى إحاطة الأفكار التقليدية عن المُلكية بالضبابية. عندما أغلقت شركة ميكروسوفت متجرها للكتب الإلكترونية في تموز (يوليو)، على سبيل المثال، فقد عملاؤها القدرة على قراءة عناوين كانوا قد اشتروها (عرضت الشركة إعادة الأموال لزبائنها). ووجد بعض المستخدِمين الأوائل لأجهزة المنزل الذكي أنها توقفت عن العمل بعد أن فقدت الشركات التي صنعتها الاهتمام . يعمل هذا الواقع على إمالة ميزان القوة من العميل إلى البائع. وقد انخرط جون ديري، وهو صانع أميركي للجرارات الزراعية عالية التقنية، في خلاف حول قيود البرمجيات التي تمنع عملاءه من إصلاح جراراتهم بأنفسهم. وبالنظر إلى أن البرمجيات لا تُباع وأنما تُمنح ترخيصاً، جادلت الشركة بأن مشتري الجرار، في بعض الحالات، ربما لا يشتري المنتج على الإطلاق، وإنما يتلقى بدلاً من ذلك رخصة لتشغيله فحسب . سوف تتصادم نماذج الأعمال الافتراضية في العالم المادي. وتبدو شركات التقنية سعيدة عموماً بالتحرك بسرعة وكسر الأشياء. لكنك لا تستطيع إصدار النسخة التجريبية من ثلاجة، على سبيل المثال. وتوفر شركة أبل، وهي شركة للهواتف الذكية، تحديثات لهواتفها لمدة خمس سنوات فقط أو نحو ذلك بعد إطلاقها؛ كما أن مستخدمي الهواتف الذكية التي تعمل بنظام أندرويد محظوظون بالحصول على سنتين. لكن السلع مثل الغسالات أو الآلات الصناعية يمكن أن يكون لها عمر افتراضي يمتد لعقد أو أكثر. وسوف تحتاج الشركات إلى ابتكار طريقة لكيفية دعم الأجهزة المحوسبة المتطورة بعد فترة طويلة من ذهاب مبرمجيها الأصليين . سوف تكون البيانات نقطة وميض أخرى. بالنسبة لمعظم الإنترنت، يتمثل نموذج الأعمال في تقديم خدمات مجانية يتم دفع مقابلها ببيانات المستخدم القيِّمة والحميمة، التي يتم جمعها بموافقة تكون على نصف دراية في أحسن الأحوال. وهذا صحيح في حالة إنترنت الأشياء أيضاً. سوف تتعقب المراتب (الفرشات) الذكية النَّوم. وسوف تراقب الأجهزة الطبية المزروعة في الجسم (الغرسات الطبية) وتقوم بتعديل دقات القلب ومستويات الأنسولين، بدرجات متفاوتة من الشفافية. وتقوم صناعة التأمين بالتجريب في استخدام البيانات المستخلصة من السيارات أو أجهزة تتبع اللياقة البدنية لضبط أقساط العملاء. وفي العالم الافتراضي، يمكن أن تبدو الحجج حول ما هو الذي يجب تعقبه، ومن هو الذي يمتلك البيانات الناتجة، هوائية ونظرية فحسب. لكن هذه الحجج ستبدو أكثر إلحاحاً في العالم الحقيقي . ثم، هناك المنافسة. ستكون تدفقات البيانات من أدوات إنترنت الأشياء بنفس قيمة تلك البيانات التي يتم الحصول عليها من مشاركات فيسبوك أو سجل بحث غوغل. وسوف يكرر منطق الأعمال التجارية المقودة بالتكنولوجيا التي تبلي بلاء حسناً باطراد بينما تقوم بجمع ومعالجة المزيد من البيانات، ديناميات السوق التي شهدت صعود شركات المنصات العملاقة على الإنترنت. وسوف تضيف الحاجة إلى مطابقة المعايير وإلى أدوات إنترنت الأشياء للتحدث مع بعضهم البعض، مزايا إلى القادة -وكذلك ستفعل مخاوف المستهلكين، وبعضها مبرر، حول مدى هشاشة السيارات المتصلة بالإنترنت، والغرسات الطبية وغيرها من الأجهزة أمام الاختراق والقرصنة . من الصعب التنبؤ بعواقب أي تقنية -خاصةً واحدة تتعلق بعالمية الحوسبة. وكان ظهور إنترنت المستهلك، قبل 25 عاماً، قد قوبل بتفاؤل مندهش. وفي هذه الأيام، أصبحت عيوب الإنترنت، من القوة الاحتكارية إلى التطفل على الشركات وذهاب الناس إلى التطرف على الإنترنت، هي التي تهيمن على العناوين الرئيسية. وسوف تكون الخدعة مع إنترنت الأشياء، كما هو الحال مع أي شيء آخر، هي زيادة الفوائد مع تقليل الأضرار إلى الحد الأدنى. ولن يكون تحقيق هذا سهلاً. لكن لدى الأشخاص الذين يفكرون في كيفية القيام بذلك ميزة العيش في عصر ثورة الإنترنت الأولى وهو ما ينبغي أن يعطيهم فكرة عما يمكن أن يتوقعوه .
  • إندونيسيا وماليزيا في مواجهة حملة الاتحاد الأوروبي على زيت النخيل

    بقلم: أحمد فوزي سالم دون اكتراث بردود الفعل، يمضي الاتحاد الأوروبي في مشروعه للتخلص التدريجي من استخدام زيت النخيلوإبعاده عن قوائم الوقود الحيوي حتى ينتهي من الوجود بحلول عام 2030، ما دفع دول مثل إندونيسيا وماليزيا، باعتبارهما الأكبر في العالم إنتاجًا لزيت النخيل، إلى رفض القرار، ليس فقط بسبب تضررهما، ولكن لأن زيت النخيل ما زال حلاً جيدًا للعديد من الدول الكبرى وعلى رأسهم الصين. واردات الصين من المنتج المغضوب عليه أوروبيًا، ارتفعت إلى15%عام 2017، بنحو510 مليون دولار، ومع استمرارها في الطلب بشراسة على المنتج، كانت تبلغ صادراته إلى الاتحاد الأوروبي نفسه نحو17.2 مليار دولار أمريكي حتى العام الماضي، تطورت خريطة العمالة بالمجال في ماليزيا وإندونيسيا، وأصبح يعمل به ما يقرب من 17 مليون وظيفة، مما يعني أن العبث بهذا الكم من فرص العمل سيبرر تهديد ماليزيا للاتحاد الأوروبيبمقاطعة بعض المنتجات الأوروبيةإذااستمر التمييز غير العادل ضد زيت النخيل. ماذا حدث؟ ولماذا الحرب على زيت النخيل؟ منذ التسعينياتوزيت النخيل يقتحم أغلب المواد التي نستهلكها كل يوم، ما جعل دولة مثل إندونيسيا تتوسع في زراعته بواسطة أكثر من 4 ملايين مزارع من أصحاب الحيازات الصغيرة، وأصبح مصدر دخل ثابت لنحو7 ملايين عامل، وفروا للبلادعام 2017 ما يقرب من 23 مليار دولار. عملت إندونيسيا والاتحاد الأوروبي، وتوصلوا لاتفاق شراكة طوعي عام 2003 للحد من قطع الأشجار وتصدير الأخشاب بصورة غير قانونية إلى الاتحاد الأوروبي، ومع عدم الالتزام بالاتفاق، اضطر الاتحاد في النهاية إلى حظر توريد زيت النخيلالمصمم لحماية الغابات الاستوائية بنهاية 2017 أصدر البرلمان الأوروبي قرارًا بالتخلص التدريجي من الوقود الحيوي المصنوع من زيت النخيل، حفاظًا على الطبيعة،وفرض حظر ضمني على الوقود الأحفوري الذي يشتمل على نسبة 10%من ديزل المركبات ويزيد من المشاكل المرتبطة بانبعاثات الكربون، وهيمقدمات تخيف الأوروبيين من أن زيت النخيلقد يكون أحد المحاصيل عالية الخطورة. في وقت سابق، عملت إندونيسيا والاتحاد الأوروبيوتوصلوا لاتفاق شراكة طوعي عام 2003 للحد من قطع الأشجار وتصدير الأخشاب بصورة غير قانونية إلى الاتحاد الأوروبي، ومع عدم الالتزام بالاتفاق، اضطر الاتحاد في النهاية إلى حظر توريد زيت النخيلالمصمم لحماية الغابات الاستوائية، ما أضر بصورة عكسية بسبل عيش المزارعين. لماذا تتحدى ماليزيا وإندونيسيا القرار؟ يرى البلدانأن تأثير حظر الاتحاد الأوروبي سيكون ضئيلًا عليهما، خاصة أن نحوخمس إنتاج البلدين فقط يذهب إلى دول الاتحاد الأوروبي، بينما تحتفظ الصين والهند، بصدارة مستهلكي هذه الخامات، ورغم توفير زبائن المنتج، فإن حظر الاتحاد الأوروبيقد يعيق جهود البلدين في إدارة الغابات وتجارة زيت النخيل بشكل أكثر استدامة، لذا دفعت إندونيسيا شركات زيت النخيلإلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد الاتحاد الأوروبي. دعت الحكومة الماليزية جيرانها للمساعدة في الدفاع عن صناعة زيت النخيل ضد ما تعتبره حملة تمييزية من الاتحاد الأوروبي لوقف الاعتراف بالسلعة كمكون للوقود الحيوي لم تكتف الحكومة الإندونيسيةبذلك بل أصدرت بيان استنكاروأكدت أنها ستقف خلف شركات زيت النخيل في بلادها وستدعمها في رفع دعاوى ضد الاتحاد الأوروبي، إذا مضت كتلة بلدانه قدمًا في خطتها للتخلص التدريجي من استخدام السلعة، وعدم التراجع عن تصنيف النخيل كمحصول يسبب إزالة الغاباتويجب التخلص منه بحلول عام 2030. فيما دعت الحكومة الماليزية جيرانها للمساعدة في الدفاع عن صناعة زيت النخيل ضد ما تعتبره حملة تمييزية من الاتحاد الأوروبي لوقف الاعتراف بالسلعة كمكون للوقود الحيوي، وقالتتيريزا كوكوزيرة الصناعات الأولية في ماليزيا، إنه يتعين على الدول الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا، دعم بعضها البعض ضد التهديدات الخارجية لصناعة ذات أهمية للمنطقة مثل زيت النخيل. رد فعل العنيف من الماليزيين والإندونيسيين ضد تحرك الاتحاد الأوروبي للحد من استخدام المحاصيل التي تسبب إزالة الغابات في وقود النقل، نجح في تحريك المفوضية الأوروبية، ووافقت في مارس الماضي على العودة لإستراتيجية جديدةللتخلص التدريجي من الوقود الحيوي القائم على زيت النخيل بحلول عام 2030. المفوضية التي اتهمت الزيتبإزالة الغابات وتدمير الحياة البرية والظلم الاجتماعي للقوى العاملة في المزارع، اعترفت في الوقت نفسه أن الحكومة الماليزية على وجه التحديدبذلت جهودًا كبيرة لتحسين استدامة صناعة زيت النخيل لديها، ومعالجة المخاوف مثل إزالة الغابات، وأكدت أن هناك عملاً جادًا يتم على الأرضللحد من التوسع في مزارع النخيل بحلول عام 2023، واستخدام مواد زراعة عالية الإنتاجية دون الحاجة إلى التوسع في بتر غابات جديدة. يراهن البلدان على الموقف السلبي للولايات المتحدة من الأزمة، ربما انتصارًا لمصالحهاالتي تشكل ما يقرب من 3% من سوق التصدير العالمي لزيت النخيل وترى ماليزيا أن محاولة القضاء على زيت النخيل ليس قرارًا بريئًا، في ظل مخالفات دولة مثل سنغافورةالتي استضافت الحوار الدولي الساعي لمكافحة أنشطة زيت النخيل، مع أنها لم تقدم أي حلول لحديقة حيوان سنغافورةالتي ارتكبت جريمة بتر أشجار الأورانجوتان النادرة. على جانب آخر، يراهن البلدان على الموقف السلبي للولايات المتحدة من الأزمة، ربما انتصارًا لمصالحهاالتي تشكل ما يقرب من 3% من سوق التصدير العالمي لزيت النخيل، بجانب عدم تفرغها لمثل هذه المعارك في الوقت الحاليّ، بسبب المعركة السياسية المسيطرة على المشهد العام في الولايات المتحدة. هل يخفي الاتحاد الأوروبي الحقائق؟ ردودالفعل المتباينة، تقود الباحث عن أصل الأزمة إلى نتائج مثيرة، فأشجار النخيل الزيتيةالتي تستخدم ثمارها لإنتاج زيت النخيل لها عمر تجاري محدود يبلغ 25 عامًا، وبمجرد انتهاء هذه الفترة، سيكون من الضروري قطع الأشجار وإعادة زراعتهالأن الأشجار القديمة تصبح أقل إنتاجية ويصعب حصادها. تشعر ماليزيا وإندونيسيا بالغدر منالاتحاد الأوروبي، بسبب اعتماده على خطاب إعلامي طوال السنوات الماضية، ساهم في تشويه زيت النخيلوتصويره في الذهنية الأوروبية على أنه الشر الذي يجب إيقافه ومع أن عملية إعادة الزراعةتهدد بخطر فقدان التنوع البيولوجي، مما يؤدي إلى مزيد من الإضرار بالبيئة، إلا أن مزارع نخيل الزيت لديها بالفعل مستويات أعلى من التنوع البيولوجي، مقارنة ببعض المحاصيل الأخرىالتي لم يعمل الاتحاد الأوروبي على حمايتها، بجانب عدم اهتمامه بحاجات البلدان الناميةالتي لا بديل أمامهاولا تملك التوسع في زرع بذور اللفت أو عباد الشمس أو فول الصويا، من أجل تلبية احتياجاتها. كما تشعر ماليزيا وإندونيسيا بالغدر من الاتحاد الأوروبيبسبب اعتماده على خطاب إعلامي طوال السنوات الماضيةساهم في تشويه زيت النخيلوتصويره في الذهنية الأوروبية على أنه الشر الذي يجب إيقافهوعملت على ذلك فرنساوالمملكة المتحدة وأستراليا. حقائق عن زيت النخيل يمكن القول إن زراعة أشجار نخيل الزيت، كانت مخططةبعناية من سكان غرب إفريقيا منذ 4000 عام، فالمحصول إنتاجي فريد، وأشجاره تكون أكثر كفاءة من 6 إلى 10 مرات مقارنة بمحاصيل البذور الزيتية المعتدلةمثل بذور اللفت وفول الصويا والزيتون وعباد الشمس. تقول الأبحاث إن الزيت البديل الوحيد القابل للحياة، هو زيت جوز الهند، لكن عملية استبداله بزيت النخيل، سيحتاج إلى زراعة عشرة أضعاف مساحة الأرض المخصصة لزيت النخيل كما تتمتع الأشجار أيضًا بعمر إنتاجي يبلغ نحو30 عامًا، وهي بذلك الأفضل مقارنة بالمحاصيل الزيتية المعتدلة والسنوية، كما أنها غنية بحمض اللوريكوهو عنصر حاسم في العديد من مستحضرات التجميل ومنتجات التنظيفومعجون الأسنانوغسيل السوائل ومواد المنظفات وغسيل الملابس. تقول الأبحاث إن الزيت البديل الوحيد القابل للحياةهو زيت جوز الهند، لكن عملية استبداله بزيت النخيل، سيحتاج إلى زراعة عشرة أضعاف مساحة الأرض المخصصة لزيت النخيل. ما يرجحكفة زيت النخيل أيضًاأنه محصول صالح للأكل ويتميز بالكفاءة، واستمراره ضروري لتحقيق الأمن الغذائي في إفريقيا وآسيا، الأمر الذي يجعل المجتمع الدولي مطالبًا بتطوير حلول للعديد من المشكلات التي يواجهها زيت النخيل، بدلاً من السعي لإنهاء حياته على هذا النحو الذي يضر أكثر ما ينفع!
  • العالم يتهيأ لعصر أجهزة الرصد الدخيلة كاميرات في مقاعد الطائرات وميكروفونات سرية داخل نظم الأمن المنزلية

    باتت الكاميرات والميكروفونات وغيرها من أجهزة الاستشعار منتشرة في كل مكان... وهذه ليست إلا البداية. - كاميرات جوية بداية شهر مارس (آذار) من هذا العام، لاحظ مسافر على متن خطوط الطيران السنغافورية وجود فجوة صغيرة ودائرية أسفل شاشة عرض نظام الترفيه الموجود أمامه، وتساءل: هل يمكن أن تكون كاميرا؟ بعدها، قام المسافر بالخطوة المنتظرة في هذه الحالات: نشر صورة على تويتر وطلب آراء مستخدمي المنصة؛ ما أطلق العنان لكورس من المتذمرين. بدورها، تجاوبت خطوط الطيران السنغافورية مع التغريدات وقالت: إن هذه الكاميرا لا تستخدم لالتقاط الصور أو تسجيل مقاطع من الفيديو. وصرّحت بعدها لوسائل إعلامية بأن هذه الكاميرات المزروعة وضعها صانعو الطائرة من أجل تحديثات مستقبلية. وأضافت: إن هذه الكاميرات مطفأة بشكل دائم على طائرات الشركة ولا يمكن تشغيلها؛ وإن الشركة لا تخطط لتشغيل أو تطوير أي خصائص تستخدم هذه الكاميرات. وزعمت مصادر إعلامية، أن أنظمة الترفيه المتوافرة على الطائرات تحمل توقيع شركة باناسونيك أفيونيكس، التي كانت قد أعلنت سابقاً عن خطة لاستخدام تقنيات تعريف الهوية بالقياسات البيولوجية للركاب للتفتيش الجمركي قبل صعودهم على الطائرة. وتعلمنا التجارب الماضية، كما تقول مجلة كومبيوتر وورلد، أن التقنيات المستخدمة بهدف الراحة وتلبية الحاجات غالباً ما يعاد استخدامها لاحقاً لأهداف أمنية. ويبدو أن الذكاء الصناعي سيكون قادراً على مراقبة مقاطع فيديو مسجلة من مقاعد مئات خطوط الطيران لتحديد هوية الركاب المتوترين، أو المخمورين، أو الخطرين. لكن، لِمَ لا تلجأ خطوط الطيران إلى الكاميرات لخدمة مور السلامة والأمن رغم توافر هذا الخيار؟ - أمن وخصوصية كما واجهت غوغل أيضاً هجوماً لاذعاً بسبب إخفائها وجود ميكروفونات في أنظمة نيست غارد Nest Guard المنزلية الأمنية، رغم توافر هذا المنتج في الأسواق منذ عام 2017. وكان سرّ الميكروفونات قد خرج إلى العلن في أوائل الشهر نفسه بعد إعلان غوغل عن خطة تهدف إلى إتاحة التحكّم الصوتي بأنظمة نيست بواسطة مساعد غوغل، وتحديداً، بعد إضافتها الـميكروفون إلى لائحة خصائص المنتج. وقالت شركة غوغل على تويتر: إن الميكروفونات لم تستخدم، ولن تستخدم حتى وقت طرح خاصية التحكّم الصوتي على الإنترنت. كما أعلنت غوغل أن الميكروفون الموجود في الجهاز لم يكن سرّاً، وأنه كان يجب ذكره من بين الخصائص التقنية. هذا الخطأ حصل من جانبنا. - الهلع من الرصد يشكّل هلع الناس من كاميرات وميكروفونات الأنظمة الأمنية على الطائرات ظاهرة جديدة اسمها هلع أجهزة الرصد والاستشعار، ويعتقد أنها ليست سوى البداية. وكانت الشركتان، أي الخطوط الجوية السنغافورية وباناسونيك، قد ردّتا على الانتقادات بزعم موحّد، وهو أن أجهزة الرصد والاستشعار رُكبت لهدف مستقبلي، لكن لم يتمّ تشغيلها حتى هذا التاريخ. وبدت الشركتان متفاجئتين من الذعر الذي أصاب الناس من فكرة وجود أجهزة استشعار غير مستخدمة. لكن بعد التقارير اليومية حول انتهاكات فيسبوك للخصوصية، والقرصنة، والتجسس الصناعي، وبرامج أندرويد الخبيثة، وجميع أنواع التسريبات والاعتداءات وانتهاكات الخصوصية، يمكن القول إننا دخلنا في عصر جديد من فقدان الثقة بجميع الجوانب التقنية. مثلاً، هل يمكن للناس أن يثقوا بأن غوغل وخطوط الطيران السنغافورية لن تستخدما الكاميرات والميكروفونات، وبخاصة أن الشركتين تعمّدتا إخفاء وجودها؟ هذا، وكُشف قبل بضعة أسابيع أيضاً، عن أن خطوط الطيران السنغافورية كانت تسجّل نشاط المستخدمين عبر تطبيقها الخاص على هواتف آيفون. وجاء هذا الجمع لنشاط المستخدمين، الذي أتاحته الخطوط السنغافورية دون علمهم أو إذنهم، في إطار خدمة سيشن ريبلاي التي وظفتها الخطوط بالتعاون مع شركة غلاسبوكس للتحليلات. هل يمكن للناس أن يثقوا بأن هذه الشركات ستحمي أجهزة الاستشعار هذه من القرصنة أو التجسس؟ لا يعرف أحد الجواب؛ لأنه ونظراً لقدرة هذه الأجهزة على معالجة البيانات البصرية والصوتية وغيرها بمساعدة الذكاء الصناعي، فإن من المنطقي أن يتخوف الجمهور من فكرة جمعها للبيانات. - أجهزة لا تنام يعيش الناس طفرة لا بدّ منها في إعداد أجهزة الرصد والاستشعار التي تحصد البيانات المرتبطة بكلّ شيء، وطفرة أخرى في انتشار وقوة نظم الذكاء الصناعي لمعالجة وتحليل كل هذه البيانات. كاميرات جمع البيانات. وقد أعلنت شركة إكسنور الناشئة حديثاً عن كاميرات جديدة دون بطارية، تعمل بالطاقة الشمسية ومدعّمة بالذكاء الصناعي، توفّر طريقة بسيطة وقيّمة لجمع البيانات. لكن الميزة الحقيقية لهذه الكاميرات هي أن الطاقة الشمسية والاتصال اللاسلكي يسهّلان وضعها في أي مكان وعدم ملاحظة وجودها. تأتي هذه الكاميرات بدقة عرض متواضعة، وسيتمّ بيعها لشركات أخرى على شكل مكوّنات تدخل في تطوير أجهزة إنترنت الأشياء بدل تسويقها كمنتجات مستقلّة. وتفيد المعلومات بأن الذكاء الصناعي الذي يدعم هذه الكاميرات قادر على تحديد وتصنيف وتشفير الأجسام التي ترصدها الكاميرا، ليرسل بعدها البيانات إلى قاعدة بيانات، أو مبرمج، أو غرفة تحكّم، أو حتى جاسوس أو قرصان، بواسطة بروتوكولات اتصال إنترنت الأشياء، وبنسبة بيانات طفيفة وطاقة متواضعة. وأفادت الشركة في تصريح لها، بأن تطوير الشركات لمنتجات تضمّ أجهزة استشعار إكسنور Xnor، سيدفعها إلى العمل بشكل فوري دون شحنها أو اتصالها الصريح بالإنترنت. تعتبر إكسنور واحدة من شركات كثيرة تعمل في تطوير منتجات إنترنت الأشياء، التي انضمّت إلى اتجاه جديد يجب أن يشكّل مصدر قلق للفئة المستاءة من كاميرات خطوط الطيران السنغافورية وميكروفونات غوغل نيست. أجهزة استشعار بالطاقة الشمسية أو الحرارية. وتعمل شركة أخرى تدعى بسيكيك PsiKick على صناعة أجهزة استشعار بطاقة طفيفة جداً، تحصد قوتها من أشعة الشمس أو الحركة أو الحرارة أو غيرها من الوسائل، حتى أنها تستطيع سحب طاقة الأشياء التي تراقبها. فقد أعلنت الشركة مثلاً عن صمام مراقبة بخاري يستمدّ طاقته من البخار طبعاً. من جهتها، تؤكّد بسيكيك أن أجهزتها يمكن أن تعمل لعشرين عاماً دون الحاجة إلى صيانة من أي نوع. هذا الجيل الجديد من أجهزة الاستشعار سيُستخدم لأهداف صناعية في الوظائف غير المرغوبة كمراقبة المعايير وتشغيل المقاييس الذكية. وسيساهم أيضاً في تخفيض كلفة وزيادة فاعلية الأنظمة الصناعية والمعامل والمخازن ومعامل توليد الطاقة. ويفترض بالشركات والمؤسسات من جميع المجالات أن تتفاءل بثورة أجهزة الاستشعار التي تعمل دون بطارية؛ لأنها ستغيّر كلّ شيء. كاميرا فيديو ملبوسة تتصل بتطبيق إنستغرام. أما المستهلكون، فيجب أن يتحمّسوا لثورة من نوع آخر، فقد كشفت شركة أوبكيكس عن أوبكيكس وان OPKIXOne، كاميرا فيديو جديدة (بسعر 295 دولاراً) قابلة للارتداء، تشارك محتواها مباشرة على إنستغرام بواسطة الهاتف الذكي. تتميّز هذه الكاميرا بتصميم صغير جداً، حيث لا يتجاوز طولها أربع بوصات، وتزن نحو 12 غراماً. كما أنها تسجّل فيديوهات بدقة عرض 1080p، وتصور 30 إطاراً في الثانية لمدة 15 دقيقة. يمكنكم تثبيت هذه الكاميرا على أي سطح سواء على نظارة، أو قبعة، أو سترة، أو حقيبة ظهر أو حتى طائرة ورقية. يمكنكم أيضاً شراء كاميرتين منها، وشحنهما معاً في حزمة خاصة تشبه علبة سماعات إيربود. نظرياً، يمكن القول إن هذه الكاميرات لن تستبيح خصوصيتكم أكثر من كاميرات الهاتف الذكي، والفرق الوحيد بينهما، هي أن أوبكيكس وان قابلة للتثبيت في أي مكان. وهكذا، ومع تطور أجهزة الرصد والاستشعار، إذا نظرنا للمشهد العام، نرى أن العالم على شفير طفرة في عدد الكاميرات والميكروفونات وغيرها من أجهزة الاستشعار. لا أحد يعرف المستوى الذي ستبلغه هذه الطفرة، لكن الأكيد هو أن أجهزة الاستشعار ستكون قادرة على مراقبتنا بشكل كامل بعد عشر سنوات من اليوم.
  • تسونامي المنتجات الصينية الرديئة يجتاح الاسواق الاردنية!

    بقلم: آمال عطاونة "يا عمي توكل على الله، ما هي كل البلد صيني". كانت تلك هي الجملة التي استخدمها التاجر لإقناع الموظف الحكومي البسيط أيمن بشراء فيش الكهرباء الذي تسبب بعد يومين بحريق أتى على بيته! ويقسم ايمن كمن يلتمس لنفسه عذرا في جريمة اقترفها بغير قصد، انه جال على كل أكثر من عشر محلات لبيع القطع الكهربائية في الزرقاء محاولاً العثور على فيش لا يكون صيني المنشأ، ولكن عبثاً. ويقول "والله إني تعبت يومها من البحث في المحلات دون جدوى، وعندما وصلت آخر محل كان اليأس قد تملّكني، ولم يكن أمر إقناعي يتطلب أكثر من تلك الجملة المنحوسة التي قالها لي التاجر". وبحسب ما يخبرنا ايمن (45 عاما) وهو من سكان الجبل الابيض في الزرقاء، فقد أبلغه ضابط الدفاع المدني ان الحريق الذي اندلع في بيته كان ناجما عن تماس كهربائي مصدره فيش التلفزيون. وما حصل هو أن الفيش الذي اشتراه لم يتحمّل الجهد الكهربائي فاحترق وسقطت اجزاء البلاستيك الذائبة منه على السجاد، فأشعلته، ولم يطل الامر حتى كانت السنة اللهب تصل الى ستارة قريبة نشرت الحريق الى كافة ارجاء المنزل. يقول ايمن "لا أدرى، هل اقول انه من حسن الحظ ام من سوء الحظ، انني وعائلتي كنا يومها خارج المنزل لحضور حفل زفاف قريب لنا". هل يمكن ان يدعي ايمن على البائع بالأضرار؟ حتما لا. فهو اشترى الفيش دون اية ضمانات، وحتى لو كانت هناك ضمانة، فالتاجر سيتملّص بحجج منها ان الفيش قد تعرض لسوء تركيب او استخدام او اية حجج اخرى وما اكثرها. وفي المحصلة، فان ايمن، وكما يقول المثل "لن ينال حقا ولا باطلا". ضحايا بالجملة ليس هذا الموظف البسيط اول ولا اخر من سيقع ضحية لما لا يحصى من المنتجات الصينية الرديئة والمغشوشة والمقلدة التي تكتسح اسواق المملكة، دون أدنى تحرك رسمي لحماية الناس من المخاطر التي تنطوي عليها والتي قد يكون بعضها قاتلا. فهذه مثلا ربة المنزل ام فراس، وهي للصدفة من سكان الجبل الابيض ايضا، لها تجربة مع طنجرة ضغط صينية اشترتها بعدما "استرخصت" ثمنها البالغ عشرة دنانير فقط. ولكنها انفجرت مع اول طبخة وهشمت معظم محتويات المطبخ. وتقول ام فراس التي كانت حينها في غرفة المعيشة تجري مكالمة هاتفية مع زوجها في العمل "الله سلَّم... وبالمال ولا بالعيال". وتضيف "في اليوم التالي توجهت وانا غاضبة الى البائع الذي اتضح انه كان متمرسا في طريقة التعامل مع الزبائن ممن تقع لهم حوادث مماثلة بسبب بضاعته الرديئة. وتتابع "لقد رفض رد نقودي واتهمني بأنني تركت الطنجرة على النار وقتا اطول من المسموح حسب التعليمات المرفقة مع ورقة الضمان"! قصة اخرى يرويها طالب الجامعة احمد فوزي الذي تلفت وحدة التبريد في حاسوبه، و"استرخص" هو الاخر وحدة صينية بديلة من أحد محلات بيع اجهزة ومستلزمات الحواسيب. يقول احمد "كان ثمن وحدة التبريد الجديدة نصف ثمن الاصلية. وقد عملت بشكل جيد مدة اربع ساعات تقريبا، ولكنها توقفت بعدها، الامر الذي تسبب في ارتفاع حرارة حاسوبي واحتراق الهارد ديسك". وللسخرية، يحدثنا صاحب محل لبيع مواد البناء عن كارثة اوشكت ان تحل ببيته بسبب أحد منظمات الغاز الصينية التي يبيعها، والتي كانت لا تزال على رفوف محله وهو يتحدث معنا. يقول التاجر الذي فضَّل عدم ذكر اسمه "بعد نحو نصف ساعة من تركيب المنظم على اسطوانة غاز الطبخ، انتبهنا الى وجود رائحة غاز قوية، وعندما استوضحت الامر وجدت ان المنظم كان معطوبا". وبرر استمراره في بيع هذه المنظمات رغم معرفته بعيوبها قائلا ان "الناس لا تريد الاصلي، فثمنه مرتفع جدا، وان انا عرضت الاصلي فلن يشتريه أحد.. الزبائن يطلبون الصيني الرخيص وهم يعرفون انه رديء ولا يعمّر". وحسب ما يخبرنا البائع، فان قرابة 70 بالمئة من المنتجات المعروضة في محله هي صينية المنشأ. اكتساح وهيمنة طبعا المنتجات الصينية التي اكتسحت اسواق الاردن تشمل كل شيء تقريبا: السيارات وقطع غيارها، الكترونيات، كهربائيات، ادوات صحية، ادوية، العاب، مواد غذائية، وحتى سجادة الصلاة والسبحة، وكل ما يمكن ان يخطر او لا يخطر على البال. وقد شكلت هذه المنتجات بأسعارها الرخيصة عامل طرد للمنتجات الاخرى، سواء كانت مستوردة او ذات منشأ محلي، والتي لم تعد قادرة على المنافسة، وهكذا خلا السوق للصين فهيمنت عليه، او تكاد. وبالنتيجة، لم يعد امام المواطن الا ان يسلم بالأمر الواقع وان يستخدم طوعا او مرغما هذه المنتجات التي اخذت الان تتبارى في ما بينها في الرداءة ورخص السعر، حتى ان بعضها مما كان يباع بالقطعة، كالساعات مثلا، اصبح يباع بالكيلو...! صحيح ان لدينا في الاردن مؤسسة مواصفات ومقاييس وجهات رقابية اخرى معنية بما يدخل ويتم تداوله من سلع استهلاكية، ولكن يبدو ان هذه الجهات عاجزة عن ضبط الامور، ولو في حدها الادنى. والسبب هو ان الاتفاقات المبرمة مع الصين سواء بشكل ثنائي او ضمن المنظومات التجارية الدولية، تلزم الاردن بإدخال المنتجات الصينية ما دامت مترافقة مع شهادات منشأ وشهادات مطابقة مواصفات ومقاييس واذونات وفواتير مصنع. وتبعا لذلك، فان دور الجهات الرقابية يبدأ بشكل حقيقي بعد ان تكون المنتجات قد دخلت الى البلاد. ولكن هيهات، فالمهمة صعبة جدا في ظل الحجم الهائل للمستوردات من الصين والذي يقدر بنحو مليار ونصف المليار دولار سنويا! وهذا الرقم مرشح للنمو في ظل المنافسة المحتدمة على الاستيراد من الصين سواء من قبل الشركات او الافراد الذين تغريهم الارباح الهائلة التي يحققونها من وراء جلب البضائع بأسعار زهيدة وبيعها بأضعاف سعرها في الاردن. كما يعزّز المنافسة بروز مئات الشركات المتخصصة في تسهيل الصفقات بدءا من ترتيبات سفر الشخص الراغب في احضار البضاعة، مرورا بإقامته في الصين ولقائه المنتجين واتفاقه معهم وحتى ايصال البضاعة الى الاردن. اجراس انذار السعي وراء الربح بصرف النظر عن الجودة كان سببا في دخول مواد خطرة جدا في عمليات تصنيع العديد من المنتجات الصينية.، لا لشيء سوى لرخصها، وما يستتبع ذلك من تقليل كلفة الانتاج بهدف تحقيق أكبر حجم من الارباح. وهناك عشرات المنتجات التي جرى سحبها من اسواق دول عربية وغربية بسبب استخدامها مدخلات انتاج قاتلة. ولعل في ذلك ما يطلق جرس انذار للجهات المعنية في الاردن لتشديد رقابتها على ما يأتينا من الصين. فمثلا، أعلنت الحكومة السعودية العام الماضي عن سحب 7 أنواع من معاجين الأسنان الصينية من السوق بعدما تبين احتواؤها على مواد كيماوية سامة. وقبل ذلك سحبت الدول الخليجية منتجات صويا مصنوعة في الصين لاحتوائها على نسب عالية من مادة مسببة للسرطان. والعام الماضي ايضا قررت شركة ماتيل الاميركية سحب ملايين لعب الاطفال التي تصنعها في الصين بسبب خطرها على صحة الاطفال لاحتوائها على مواد سامة. كما سحبت السلطات الأمريكية 450 ألف إطار من صنع الصين بعدما ثبت أنها تفتقر إلى أحد مكونات السلامة التي تمنع تمزق عجلات السيارة أثناء السير. كما رصدت كميات من الطحين الممزوج بمادة الميلامين الذي تم تقديمه إلى المستهلكين على أنه بروتين. والجميع لا يزال يذكر الى الان الصدمة التي احدثها اكتشاف الميلامين السام في حليب اطفال مصنع في الصين. وللأسف، فانه بالمقارنة مع الاسواق الأخرى... لا تتوفر في الدول العربية قوائم وتقارير عن المنتجات غير الآمنة والتي يفترض سحبها ومنعها من الأسواق. حماية المستهلك ومن جهتها، فقد اكدت الجمعية الوطنية لحماية المستهلك تزايد شكاوى المواطنين من عمليات الاغراق التي تتعرض لها الاسواق من البضائع والمنتجات الصينية المزورة والمقلدة او تلك المخالفة للمواصفات والمقاييس الاردنية. وقال رئيس الجمعية محمد عبيدات في تصريحات صحفية ان مشكلة القطع المقلدة باتت ظاهرة عالمية تعاني منها جميع دول العالم والشركات العالمية ولابد من تعاون جميع اجهزة الدولة للقضاء عليها والحد منها. واضاف ان الاستمرار في استيراد السلع الرديئة واغراق الاسواق المحلية بها دون رقابة صارمة يعتبر خسارة ليس فقط على المستهلكين وانما على الاقتصاد الوطني بشكل عام، لما تشكله مثل هذه الظاهرة من عملية استنزاف للموارد المحلية. واشار الى انه لا يكاد يمر يوم دون تلقي الجمعية شكوى من احد المواطنين تشير الى وقوعه ضحية سلعة مقلدة او مخالفة للمواصفات، مؤكدا ان مثل هذا الامر يجب معالجته وعدم السكوت عليه حيث انه بات من الضروري بحثه من جميع جوانبه ووضع اليد على الثغرات التي يقوم التجار باستغلالها وادخال مثل هذه السلع الرديئة للسوق المحلي، ودعا الى بذل كافة الجهود في سبيل عدم ترك المواطن يقع ضحية غش وخداع فئة قليلة من اصحاب النفوس المريضة. وقال عبيدات ان بعض هذه السلع المقلدة والرديئة من الممكن ان تعرض حياة المستهلكين للخطر، وبالتالي لا بد من وضع الحلول السريعة للحيلولة دون وقوع المحذور ولا سيما فيما يتعلق بمستلزمات التوصيلات الكهربائية التي تسببت في كثير من الحرائق المنزلية، والخسائر في الارواح.
  • التقصير في العمل.. خيانة للأمانة

    بقلم: بسيوني الحلواني لم يعد الهروب من أداء الواجبات الوظيفية والتقصير فيها ظاهرة تقتصر على مجتمع عربي دون الآخر.. بل هناك إحصاءات عربية تؤكد تدني إنتاجية الموظف العام في العديد من الدول العربية بل وهروبه من عمله تحت مبررات ساذجة أحياناً، ودون وجود ما يبرر ذلك في معظم الأحيان. كانت دراسة مصرية حديثة قد رصدت وسائل تهرب بعض الموظفين في المؤسسات الحكومية من العمل وإهدار وقته بوسائل متعددة، حيث كشفت قيام 29% من الموظفين في 3 وزارات بـالتسرب من العمل بعد التوقيع بالحضور مباشرة.. وتحايل بعض الموظفين للتهرب من العمل المنوط بهم بوسائل متنوعة؛ من بينها التمارض، ومهام العمل الخارجية الوهمية، وتوقيع الموظفين بالحضور والانصراف لبعضهم البعض... كما كشفت دراسة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة أن متوسط عمل الموظف المصري نصف ساعة من إجمالي 7 ساعات، ومع ذلك يحصل 95% من الموظفين على تقدير (امتياز) في تقاريرهم السرية، كما أن 37% من الموظفين يكرهون أماكن عملهم ويذهبون إليها مكرَهين.. بينما أشارت دراسات أجريت في كل من تونس والعراق والسودان أن متوسط إنتاجية الموظف الحكومي تتراوح ما بين 18 و45 دقيقة يومياً. وعند فتح ملف إهمال الموظفين الحكوميين لمهامهم الوظيفية على عدد من الخبراء وأساتذة الاقتصاد والموارد البشرية وعلماء الشريعة الإسلامية، بهدف الوقوف على أسبابه وتداعياته الاقتصادية الخطيرة.. وكيفية علاجه، وهنا خلاصة ما نصحوا به ووجهوا إليه.. غياب الثواب والعقاب في البداية يؤكد خبير الاجتماع الدكتور محمد نبيل السمالوطي، أن تسرب الموظف الحكومي من عمله والتفنن في إهدار وقت العمل، والهروب من الواجبات الوظيفية، أصبح ظاهرة عامة في العديد من الدول العربية، خاصة تلك التي تضعف فيها الرقابة ويختفي فيها أو يتلاشى مبدأ الثواب والعقاب، وعجز رؤساء العمل عن توقيع عقوبات رادعة على الموظفين المتغيبين عن أعمالهم أو المهملين لواجباتهم الوظيفية في ظل لوائح وقوانين عمل تغل يد المسؤول عن توقيع عقاب رادع. ويضيف قائلاً: عندما يضاف كل هذا إلى غياب الضمير وعدم الشعور بالمسؤولية يصبح الأمر كارثياً، حيث تتلاحق الخسائر الناتجة عن ذلك، لأن رواتب الموظفين في الأجهزة الحكومية تشكل عبئاً كبيراً على موازنة أي دولة، سواء أكانت مستقرة اقتصادياً ومالياً أم تعاني من مشكلات، كما هو حال بعض الحكومات العربية التي تنفق المليارات سنوياً على رواتب موظفيها دون أن يكون هناك المردود الاقتصادي والتنموي المنتظر منهم. ويؤكد الدكتور السمالوطي أن غياب ثقافة احترام العمل وراء ما تعاني منه كثير من المؤسسات الحكومية التي تعاني من تسرب موظفيها أو تغيبهم عن العمل أو عدم قيامهم بما هو منوط بهم من واجبات وظيفية.. وهذه الثقافة تفرضها التربية منذ الصغر على احترام الواجبات والمهام كما تفرضها القوانين واللوائح المنظمة للعمل والتي تكافئ المُجِد وتحاسب المهمل وتطبق مبدأ الثواب والعقاب. ويرفض الدكتور السمالوطي مبررات الأطباء الذين يهملون في واجباتهم الإنسانية والوظيفية استناداً إلى أن رواتبهم ضعيفة ولا تفي بمطالبهم المعيشية، ويقول: هذا خلط للأوراق، فمن قبل تأدية عمل ووقع عقداً بذلك عليه أن يحترم بنود هذا العقد، فالعقد شريعة المتعاقدين، ولم يجبر أحد الطبيب المبتدئ في قبول وظيفة في مستشفى حكومي لكي يتهرب بعد ذلك من واجباته وهي واجبات إنسانية قبل أن تكون واجبات وظيفية، وهو مطالب، بحكم المبادئ والضوابط المنظمة لمهنته، القيام بها على الوجه الأكمل قبل أن يفكر في عمله الخاص. وينتهي الدكتور السمالوطي إلى ضرورة تنمية ثقافة احترام وقت العمل التي لم تعد موجودة عند كثير من الموظفين، خاصة الذين يعملون في مؤسسات حكومية تضعف فيها وسائل المحاسبة والمراقبة وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب. تداعيات اقتصادية خطيرة الدكتور محمد عبد الحليم عمر، أستاذ المحاسبة والاقتصاد الإسلامي بعدد من الجامعات العربية، يؤكد أن ظاهرة تهرب موظفي الحكومة من أداء واجباتهم الوظيفية تتزايد في الدول التي تختفي فيها العقوبات الرادعة لمن يفعل ذلك، وقد تزايدت هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة في الدول التي عانت من عدم استقرار سياسي وإداري، وهي عديدة في منطقتنا العربية. ويضيف قائلاً: في ظل غياب اللوائح المنظمة للعمل العام، وعدم وجود عقوبات رادعة لمن يتهرب من واجباته الوظيفية من الطبيعي أن يحدث ذلك، وقد حدث وتوقف عمال عدد من المصانع عن العمل في بلد عربي لمدة تقترب من الشهر عمداً بسبب بعض المطالب التي يطالبون بتحقيقها، وكانت خسائر ذلك عشرات الملايين التي لحقت بهذه المصانع، ومع ذلك عاد العمل بعد فترة دون توقيع عقوبة واحدة على من قاموا بتعطيل العمل عمداً، وهذا بالطبع يشجع عمالاً آخرين على تقليدهم، والسير على نهجهم، مما يؤدى إلى إهدار مال عام يضاعف من الخسائر الاقتصادية لهذه الشركات أو المؤسسات. ويؤكد الدكتور عمر على ضرورة الاهتمام بإنتاجية العامل وليس وقت العمل لأن كثيراً من الموظفين يتفننون في إضاعة وقت العمل في مصالح شخصية أو سلوكيات وعادات تهدر ساعات العمل فيما ليس مفيداً.. ويقول: الإسلام يحثنا على إتقان العمل، والإتقان يعني الجودة وزيادة الإنتاجية لتحقيق المكاسب، فالعمل لن يستفيد شيئاً من موظف يجلس عالة على جهة عمله وقد يكون في جلوسه خسارة لجهة العمل، حيث يستهلك مستلزمات عمل دون فائدة ويعطل الآخرين من زملائه، ولذلك علينا أن نهتم بجودة العمل أكثر من اهتمامنا بساعات العمل. ويطالب الدكتور عمر بوضع حوافز لمن يعمل بكفاءة حتى يجد العامل ثمرة عطائه وإخلاصه في عمله، فلا ينبغي أن يتساوى في النهاية الذين يعملون والذين لا يعملون، وإذا لم تكن لدى جهة العمل ما تعطيه لمن يجتهد في عمله، فلديها ما تعاقب به العامل المهمل المقصر في أداء واجباته والذي يؤدي عمله بشكل روتينيى دون عطاء حقيقي، مشيراً إلى مشكلة تكدس الموظفين في الأجهزة الحكومية دون حاجة نتيجة سياسات خاطئة اتبعتها بعض الحكومات العربية، مما أدى إلى وجود عمالة زائدة في كافة القطاعات، وهذا التكدس سبب مباشر في ضعف إنتاجية العامل عموماً، وهذه السياسات الخاطئة تحتاج إلى تصحيح في إطار الإصلاحات الاقتصادية التي تسعى إليها بعض الدول العربية، وهناك مطالب لا تتوقف من صندوق النقد الدولي على سبيل المثال بالتخلص من عدد ليس بالقليل من العاملين في الجهاز الحكومي كخطوة للإصلاح الاقتصادي وهو ما سيؤدي في حالة تطبيقه إلى مشكلات اقتصادية واجتماعية لكثير من الأسر. ويؤكد الدكتور عمر أن ظاهرة تسرب الموظفين من أعمالهم لها تداعيات اقتصادية خطيرة، ويقول: رغم عدم وجود دراسات دقيقة توضح حجم الخسائر الناجمة عن هذه الظاهرة، إلا أن هناك مؤشرات اقتصادية لحجم الخسائر الناجمة عن ذلك؛ حيث تهدر المليارات سنوياً في الدول العربية بسبب ذلك بسبب قلة إنتاجية العامل أو الموظف العام بنسب تتراوح ما بين 25 و75% وهي خسائر كبيرة تؤثر على نسب النمو وتعوق خطط وبرامج التنمية في العديد من الدول العربية. مشكلة كبرى الدكتور ناصر القحطاني، المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الإدارية بالقاهرة، يتفق مع الدكتور محمد عبد الحليم في وجود تداعيات اقتصادية خطيرة لظاهرة التسرب من الأعمال الحكومية وإهمال الإنتاجية، ويؤكد أن الدراسات تشير إلى أن متوسط عمل الموظف العربي عشرون دقيقة يومياً، وهذه مصيبة كبرى وأمر يدعو للخجل، فالعمل في نظر ديننا واجب شرعي قبل أن يكون التزاماً وظيفياً، وهو عبادة وقربى إلى الله، ويجب على كل من يعمل في وظيفية حكومية أو خاصة أن يؤدي عمله وفق ما حث عليه دينه وما تحدده واجبات وظيفته. ويؤكد الدكتور القحطاني أن ثقافة احترام العمل في مجتمعاتنا العربية متدنية للغاية؛ حيث توجد نسبة لا تقل عن 40% من العاملين لديهم الاستعداد للتهرب من الواجبات الوظيفية لو وجدوا الحيلة أو الوسيلة لذلك. ويشير الدكتور القحطاني إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في الهروب من العمل وعدم أداء الواجبات الوظيفية بالشكل المطلوب.. لكن المشكلة الحقيقية تتمثل في عدم رغبة كثير من العاملين في اكتساب معارف ومهارات جديدة ترفع من مستوى كفاءتهم وتضيف إلى أعمالهم.. ويقول: بالتأكيد هناك معارف وخبرات جديدة ينبغي على الموظف أن يكتسبها ليؤدي عمله وفق المنظومة الحديثة؛ فمن كان يؤدي عمله من خلال سجلات ورقية لم يعد لها وجود الآن في كثير من الدول العربية عليه أن يتعلم الخبرات المطلوبة لأداء عمله من خلال الحاسب الآلي والوسائل الحديثة، فالعالم يتطور وينبغي أن تواكب المجتمعات العربية ما يحدث في العالم من تطورات وإلا سنتخلف أكثر مما نحن عليه الآن. ويؤكد المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الإدارية أن العالم يشهد ثورة حقيقية في مجال الإدارة وأداء الأعمال، وهذه الصورة ستؤثر حتماً على مجتمعاتنا، وكلما توسعنا في استخدام التكنولوجيا كلما تم الاستغناء عن العمالة البشرية، فالوسائل والأدوات الحديثة ستلحق بطالة حقيقية في مجتمعاتنا العربية ولن يجد فرصة عمل إلا من يملك أدوات العصر ويستطيع أن يؤدي عمله وفق الوسائل التكنولوجية. لذلك يؤكد الدكتور القحطاني على ضرورة التدريب والتأهيل المستمر للعناصر البشرية مع التركيز على الشباب، فهو الأكثر استعداداً لاكتساب خبرات ومهارات العمل الحديثة، ومن لم يستجب سينضم حتماً إلى طوابير العاطلين الطويلة في بلادنا العربية. وهنا يؤكد الدكتور ناصر القحطاني ضرورة الارتقاء ببرامج التعليم في الجامعات التي تعد متطلبات سوق العمل من العناصر البشرية في مختلف التخصصات، ويؤكد أن المناهج النظرية التي يحفظها الطالب ويفرغها في كراسات الإجابة عند الامتحان وينساها بعد ذلك لم تعد مناسبة الآن للتعليم الحديث الذي يعتمد على إكساب الطلاب الخبرات والمهارات اللازمة للعمل خلال فترة الدراسة وربط الطلاب بمواقع العمل الحقيقية من أجل إكسابهم مهارات العمل خلال فترة التعلم لكي يجد فرصة عمل حقيقية عند التخرج. ضمائر ماتت الدكتور سيف قزامل، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، يرى أن هروب الموظف وإهماله لواجباته الوظيفية تجسد موت الضمير لدى كثير من الموظفين الذين يستحلون الحرام.. ويقول: للأسف هذه الظاهرة لا توجد إلا في المجتمعات العربية حيث يستحل الإنسان لنفسه أن يأكل الحرام ويتكسب من عمل وجهد وكفاح غيره أو يكون عالة على خزينة الدولة المثقلة أصلاً بالأعباء. ويضيف: الموظف العام الذي يؤدي عملاً هو مؤتمن عليه ومطالب شرعاً وقانوناً أن يؤدي هذا العمل وفق القواعد والضوابط المنظمة له فعليه أن يكون موجوداً في مكان عمله خلال الساعات المحددة لهذا العمل، وعليه أن يعمل بكل جهده عملاً جيداً بإخلاص وفق مهاراته وكفاءته المهنية والتي على أساسها تم تكليفه بهذا العمل، وأن يحقق مستوى الإنتاجية المطلوب منه.. وكل من يحقق ذلك فهو يؤدي واجبه المنوط به ويحصل على مقابل ذلك راتباً وحوافز الإنتاج المقررة.. ومن يقصر في هذه الواجبات ويتهرب من عمله، أو يتسرب قبل انتهاء دوامه الرسمي، أو يتواجد في مكان العمل ولا يؤدي العمل المطلوب منه فهو مقصر في نظر قوانين العمل وخائن للأمانة في نظر الشريعة الإسلامية، ومن الواجب محاسبة هذه النوعية من الموظفين حتى لا تنتشر السلبية واللامبالاة بين العاملين وحتى يكون هناك فارق بين الذين يعملون والذين لا يعملون. لذلك يدين أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر سلوك كل موظف لا يراعي الله في عمله فيتهرب من مسؤولياته، أو يعطل مصالح الذين يتعاملون معه دون وجه حق.. ويؤكد أن هذا السلوك دليل واضح على ضعف الوازع الديني، ذلك أن احترام العمل وإعطائه حقه من الوقت والجهد واجب على كل مسلم، فالراتب الذي يحصل عليه الموظف ليس حقاً مكتسباً، بل هو مقابل وقت وجهد، والإنسان الملتزم ديناً وخلقاً يعطي كل ذي حق حقه ولا يقبل بأن يهدر وقت العمل في نوم أو قضاء مصلحة خاصة، أو التقاعس عن أداء الواجبات المنوطة به، ثم إن المؤمن أعمق الناس إحساساً بقيمة الوقت، والله سبحانه سيسأله يوم الحساب عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ ويؤكد الدكتور قزامل أن إهمال العمل في مجتمعاتنا العربية هو السبب الأول في المشكلات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها.. ويقول: لن تتقدم مجتمعاتنا إلا إذا أدى كل إنسان عمله بأمانة وإخلاص وراعى الله فيما يعمله، ومن المؤسف أن الذين لا يؤمنون بدين يحث على العمل ويعتبره قربى إلى الله مثل الإسلام يعملون ويؤدون عملهم بكفاءة وإخلاص أكثر من بعض من ينتسبون إلى الإسلام، لذلك يعد من يهمل في عمله ويتهرب من مسؤولياته الوظيفية عاصيا لله ورسوله. ويطالب الدكتور قزامل بمعاقبة هؤلاء الذين يتهربون من أداء أعمالهم الوظيفية ويتفننون في الهروب من واجباتهم، خاصة إذا ما كانوا يعملون في مؤسسات حكومية لا تطبق عقوبات رادعة .. ويقول: يجب تطهير كل مؤسسات الدولة أي دولة من هؤلاء المتقاعسين الذين يستحلون أكل الحرام وإطعام أسرهم والإنفاق على أبنائهم من مال حرام، فكل مال يحصل عليه الإنسان دون عمل مفيد فهو سحت حتى ولو كان راتباً مقرراً وثابتاً ومحصناً بالقوانين. عشوائية وسلبية وهنا يتدخل الدكتور محمود حمدي زقزوق، مؤكداً أن هذا السلوك المعيب الشائع بين الموظفين في العديد من الدول العربية عائد إلى غياب النظام والعشوائية والسلبية السائدة في حياتنا، ويقول: للأسف في ظل عدم احترام الوقت أصبحت حياتنا خليطاً عجيباً من الفوضى والاضطراب، وهذه الفوضى السلوكية تعني فقدان النظام وتعني التخلف والانفلات من كل القيم الدافعة إلى التقدم والنهضة والارتقاء بالحياة، وفي ظل غياب النظام والانضباط يسود الارتجال والعشوائية والتخبط، ويؤدي ذلك إلى اختلال الموازين في المجتمع وضياع الحدود بين الحقوق والواجبات وبين ما يجوز وما لا يجوز . ويرى الدكتور زقزوق أن الهروب من العمل وعدم إعطائه حقه من الوقت والجهد، مخالفة شرعية فضلاً عن أنه إخلال بعقد العمل، وهذه المخالفة الشرعية والقانونية تستوجب عقاباً رادعاً حتى لا تشيع الفوضى والتملص من الواجبات الوظيفية بين الموظفين. ثقافة اهدار الوقت وعن إهدار وقت العمل فيما لا يفيد يؤكد الدكتور زقزوق أن هذا السلوك المعيب والذي يأثم فاعله شرعاً يأتي في الغالب نتيجة غياب مبدأ الثواب والعقاب وعدم وجود لوائح تشجع وتكافئ من يعمل بكفاءة، وفي بعض أماكن العمل تحدث أخطاء نتيجة العمل، وهذا أمر طبيعي، ومعاقبة العامل أو الموظف عليها باستمرار تؤدي إلى انصرافه وانصراف آخرين عن العمل، فمن يعمل أكثر يخطئ أكثر ويعاقب أكثر بينما من لا يعمل لا تطوله يد العقاب.. وهذا خلل كبير يؤدي إلى تقاعس كثير من العمال والموظفين عن العمل والإنتاج ليريحوا أنفسهم من العقوبات المتكررة التي توقع عليهم. آفة أخرى ويشير الدكتور زقزوق إلى أمر آخر يمثل مظهراً سلبياً لكثير من الموظفين وهو التأخر في الذهاب إلى العمل واختلاق مبررات وحيل لتجنب توقيع جزاءات عليه، ويقول: هذه الظاهرة للأسف شائعة في بعض المجتمعات العربية، وهي تأتي نتيجة ثقافة شائعة عموماً بعيداً عن العمل الحكومي، حيث نرى صوراً صارخة من الفوضى وعدم احترام قيمة الوقت لدى البعض، وبعيداً عن الأمثلة الصارخة في هذا الصدد نود أن نشير هنا إلى مثال واحد فقط لما اعتاد عليه غالبية الناس من تحديد للمواعيد التي يعطيها كل منهم للآخر لإنجاز أعمال معينة أو مصالح مشتركة أو غير ذلك من أمور حياتية، فالبعض يحدد موعداً في ساعة معينة، ولكنه غالباً لا يلتزم بالموعد المحدد، فقد يأتي بعد الموعد بساعة أو بساعتين أو أكثر، وقد لا يأتي، ولا يهمه بعد ذلك ما يسببه هذا التصرف للطرف الآخر من متاعب نفسية وأضرار مادية . مسؤولية العلماء والدعاة الداعية الشيخ سعد الفقي، وكيل وزارة الأوقاف المصرية، يؤكد مسؤولية الدعاة وخطباء المساجد وكل مؤسسات الإعلام والتوجيه الثقافي في المجتمعات العربية عن مواجهة هذا السلوك المعيب الذي تعود عليه كثير من الناس ويتسبب في خسائر كثيرة للأفراد والمؤسسات.. ويؤكد رفض الإسلام لهذه السلوكيات الخاطئة بين المسلمين، مشيراً إلى أن العمل في الإسلام عبادة وقربى إلى الله قبل أن يكون وظيفة، وكل مسلم مطالب شرعاً بأن يؤدي عباداته الدينية وواجباته الاجتماعية بكل حرص وإتقان، حتى يرضي ربه أولاً قبل أن يجني ثمرة حرصه والتزامه بالوقت والجهد اللازم للعمل... وهذا ما ينبغي أن يؤكده الدعاة وخطباء المساجد للجماهير في كل مكان وما ينبغي أن تعمل على ترسيخه مناهج التربية الدينية والوطنية في المدارس وتركز عليه وسائل الإعلام المختلفة في برامجها وما تقدمه لجماهيرها من مواد درامية، حيث لا ينبغي أن يظهر الإنسان الفوضوي المستهتر بالوقت الذي يتهرب من واجباته في صورة بطولية أو صورة محببة للصغار لأنه في النهاية سيكون قدوة سيئة لهم جميعاً. ويؤكد الشيخ الفقي أن الإسلام ربانا على احترام العمل والحرص على عدم إهدار الوقت في ما لا يفيد، وما أكثر النصوص القرآنية والتوجيهات النبوية الكريمة التي تحث المسلم على الاستفادة من كل دقيقة من حياته، واستثمار الوقت في كل عمل مفيد له ولأسرته ولمجتمعه.. ومن بين هذه التوجيهات الكريمة قوله صلى الله عليه وسلم: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ رواه البخاري. وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك أخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد حسن. هذه الإرشادات والتوجيهات النبوية الكريمة تؤكد ضرورة أن يكون للوقت قيمته في حياة المسلم، فلا يتكاسل عن عمل واجب عليه، ولا يضيع وقته في اللهو والعبث، ولا يجلس في بيته أو مكتبه طاقة معطلة عن العمل والإنتاج، ويهدر وقته في أعمال غير مفيدة وقاتلة للوقت، وما أكثرها في عصرنا الحاضر.
  • التقصير في العمل.. خيانة للأمانة

    بقلم: بسيوني الحلواني لم يعد الهروب من أداء الواجبات الوظيفية والتقصير فيها ظاهرة تقتصر على مجتمع عربي دون الآخر.. بل هناك إحصاءات عربية تؤكد تدني إنتاجية الموظف العام في العديد من الدول العربية بل وهروبه من عمله تحت مبررات ساذجة أحياناً، ودون وجود ما يبرر ذلك في معظم الأحيان. كانت دراسة مصرية حديثة قد رصدت وسائل تهرب بعض الموظفين في المؤسسات الحكومية من العمل وإهدار وقته بوسائل متعددة، حيث كشفت قيام 29% من الموظفين في 3 وزارات بـالتسرب من العمل بعد التوقيع بالحضور مباشرة.. وتحايل بعض الموظفين للتهرب من العمل المنوط بهم بوسائل متنوعة؛ من بينها التمارض، ومهام العمل الخارجية الوهمية، وتوقيع الموظفين بالحضور والانصراف لبعضهم البعض... كما كشفت دراسة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة أن متوسط عمل الموظف المصري نصف ساعة من إجمالي 7 ساعات، ومع ذلك يحصل 95% من الموظفين على تقدير (امتياز) في تقاريرهم السرية، كما أن 37% من الموظفين يكرهون أماكن عملهم ويذهبون إليها مكرَهين.. بينما أشارت دراسات أجريت في كل من تونس والعراق والسودان أن متوسط إنتاجية الموظف الحكومي تتراوح ما بين 18 و45 دقيقة يومياً. وعند فتح ملف إهمال الموظفين الحكوميين لمهامهم الوظيفية على عدد من الخبراء وأساتذة الاقتصاد والموارد البشرية وعلماء الشريعة الإسلامية، بهدف الوقوف على أسبابه وتداعياته الاقتصادية الخطيرة.. وكيفية علاجه، وهنا خلاصة ما نصحوا به ووجهوا إليه.. غياب الثواب والعقاب في البداية يؤكد خبير الاجتماع الدكتور محمد نبيل السمالوطي، أن تسرب الموظف الحكومي من عمله والتفنن في إهدار وقت العمل، والهروب من الواجبات الوظيفية، أصبح ظاهرة عامة في العديد من الدول العربية، خاصة تلك التي تضعف فيها الرقابة ويختفي فيها أو يتلاشى مبدأ الثواب والعقاب، وعجز رؤساء العمل عن توقيع عقوبات رادعة على الموظفين المتغيبين عن أعمالهم أو المهملين لواجباتهم الوظيفية في ظل لوائح وقوانين عمل تغل يد المسؤول عن توقيع عقاب رادع. ويضيف قائلاً: عندما يضاف كل هذا إلى غياب الضمير وعدم الشعور بالمسؤولية يصبح الأمر كارثياً، حيث تتلاحق الخسائر الناتجة عن ذلك، لأن رواتب الموظفين في الأجهزة الحكومية تشكل عبئاً كبيراً على موازنة أي دولة، سواء أكانت مستقرة اقتصادياً ومالياً أم تعاني من مشكلات، كما هو حال بعض الحكومات العربية التي تنفق المليارات سنوياً على رواتب موظفيها دون أن يكون هناك المردود الاقتصادي والتنموي المنتظر منهم. ويؤكد الدكتور السمالوطي أن غياب ثقافة احترام العمل وراء ما تعاني منه كثير من المؤسسات الحكومية التي تعاني من تسرب موظفيها أو تغيبهم عن العمل أو عدم قيامهم بما هو منوط بهم من واجبات وظيفية.. وهذه الثقافة تفرضها التربية منذ الصغر على احترام الواجبات والمهام كما تفرضها القوانين واللوائح المنظمة للعمل والتي تكافئ المُجِد وتحاسب المهمل وتطبق مبدأ الثواب والعقاب. ويرفض الدكتور السمالوطي مبررات الأطباء الذين يهملون في واجباتهم الإنسانية والوظيفية استناداً إلى أن رواتبهم ضعيفة ولا تفي بمطالبهم المعيشية، ويقول: هذا خلط للأوراق، فمن قبل تأدية عمل ووقع عقداً بذلك عليه أن يحترم بنود هذا العقد، فالعقد شريعة المتعاقدين، ولم يجبر أحد الطبيب المبتدئ في قبول وظيفة في مستشفى حكومي لكي يتهرب بعد ذلك من واجباته وهي واجبات إنسانية قبل أن تكون واجبات وظيفية، وهو مطالب، بحكم المبادئ والضوابط المنظمة لمهنته، القيام بها على الوجه الأكمل قبل أن يفكر في عمله الخاص. وينتهي الدكتور السمالوطي إلى ضرورة تنمية ثقافة احترام وقت العمل التي لم تعد موجودة عند كثير من الموظفين، خاصة الذين يعملون في مؤسسات حكومية تضعف فيها وسائل المحاسبة والمراقبة وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب. تداعيات اقتصادية خطيرة الدكتور محمد عبد الحليم عمر، أستاذ المحاسبة والاقتصاد الإسلامي بعدد من الجامعات العربية، يؤكد أن ظاهرة تهرب موظفي الحكومة من أداء واجباتهم الوظيفية تتزايد في الدول التي تختفي فيها العقوبات الرادعة لمن يفعل ذلك، وقد تزايدت هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة في الدول التي عانت من عدم استقرار سياسي وإداري، وهي عديدة في منطقتنا العربية. ويضيف قائلاً: في ظل غياب اللوائح المنظمة للعمل العام، وعدم وجود عقوبات رادعة لمن يتهرب من واجباته الوظيفية من الطبيعي أن يحدث ذلك، وقد حدث وتوقف عمال عدد من المصانع عن العمل في بلد عربي لمدة تقترب من الشهر عمداً بسبب بعض المطالب التي يطالبون بتحقيقها، وكانت خسائر ذلك عشرات الملايين التي لحقت بهذه المصانع، ومع ذلك عاد العمل بعد فترة دون توقيع عقوبة واحدة على من قاموا بتعطيل العمل عمداً، وهذا بالطبع يشجع عمالاً آخرين على تقليدهم، والسير على نهجهم، مما يؤدى إلى إهدار مال عام يضاعف من الخسائر الاقتصادية لهذه الشركات أو المؤسسات. ويؤكد الدكتور عمر على ضرورة الاهتمام بإنتاجية العامل وليس وقت العمل لأن كثيراً من الموظفين يتفننون في إضاعة وقت العمل في مصالح شخصية أو سلوكيات وعادات تهدر ساعات العمل فيما ليس مفيداً.. ويقول: الإسلام يحثنا على إتقان العمل، والإتقان يعني الجودة وزيادة الإنتاجية لتحقيق المكاسب، فالعمل لن يستفيد شيئاً من موظف يجلس عالة على جهة عمله وقد يكون في جلوسه خسارة لجهة العمل، حيث يستهلك مستلزمات عمل دون فائدة ويعطل الآخرين من زملائه، ولذلك علينا أن نهتم بجودة العمل أكثر من اهتمامنا بساعات العمل. ويطالب الدكتور عمر بوضع حوافز لمن يعمل بكفاءة حتى يجد العامل ثمرة عطائه وإخلاصه في عمله، فلا ينبغي أن يتساوى في النهاية الذين يعملون والذين لا يعملون، وإذا لم تكن لدى جهة العمل ما تعطيه لمن يجتهد في عمله، فلديها ما تعاقب به العامل المهمل المقصر في أداء واجباته والذي يؤدي عمله بشكل روتينيى دون عطاء حقيقي، مشيراً إلى مشكلة تكدس الموظفين في الأجهزة الحكومية دون حاجة نتيجة سياسات خاطئة اتبعتها بعض الحكومات العربية، مما أدى إلى وجود عمالة زائدة في كافة القطاعات، وهذا التكدس سبب مباشر في ضعف إنتاجية العامل عموماً، وهذه السياسات الخاطئة تحتاج إلى تصحيح في إطار الإصلاحات الاقتصادية التي تسعى إليها بعض الدول العربية، وهناك مطالب لا تتوقف من صندوق النقد الدولي على سبيل المثال بالتخلص من عدد ليس بالقليل من العاملين في الجهاز الحكومي كخطوة للإصلاح الاقتصادي وهو ما سيؤدي في حالة تطبيقه إلى مشكلات اقتصادية واجتماعية لكثير من الأسر. ويؤكد الدكتور عمر أن ظاهرة تسرب الموظفين من أعمالهم لها تداعيات اقتصادية خطيرة، ويقول: رغم عدم وجود دراسات دقيقة توضح حجم الخسائر الناجمة عن هذه الظاهرة، إلا أن هناك مؤشرات اقتصادية لحجم الخسائر الناجمة عن ذلك؛ حيث تهدر المليارات سنوياً في الدول العربية بسبب ذلك بسبب قلة إنتاجية العامل أو الموظف العام بنسب تتراوح ما بين 25 و75% وهي خسائر كبيرة تؤثر على نسب النمو وتعوق خطط وبرامج التنمية في العديد من الدول العربية. مشكلة كبرى الدكتور ناصر القحطاني، المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الإدارية بالقاهرة، يتفق مع الدكتور محمد عبد الحليم في وجود تداعيات اقتصادية خطيرة لظاهرة التسرب من الأعمال الحكومية وإهمال الإنتاجية، ويؤكد أن الدراسات تشير إلى أن متوسط عمل الموظف العربي عشرون دقيقة يومياً، وهذه مصيبة كبرى وأمر يدعو للخجل، فالعمل في نظر ديننا واجب شرعي قبل أن يكون التزاماً وظيفياً، وهو عبادة وقربى إلى الله، ويجب على كل من يعمل في وظيفية حكومية أو خاصة أن يؤدي عمله وفق ما حث عليه دينه وما تحدده واجبات وظيفته. ويؤكد الدكتور القحطاني أن ثقافة احترام العمل في مجتمعاتنا العربية متدنية للغاية؛ حيث توجد نسبة لا تقل عن 40% من العاملين لديهم الاستعداد للتهرب من الواجبات الوظيفية لو وجدوا الحيلة أو الوسيلة لذلك. ويشير الدكتور القحطاني إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في الهروب من العمل وعدم أداء الواجبات الوظيفية بالشكل المطلوب.. لكن المشكلة الحقيقية تتمثل في عدم رغبة كثير من العاملين في اكتساب معارف ومهارات جديدة ترفع من مستوى كفاءتهم وتضيف إلى أعمالهم.. ويقول: بالتأكيد هناك معارف وخبرات جديدة ينبغي على الموظف أن يكتسبها ليؤدي عمله وفق المنظومة الحديثة؛ فمن كان يؤدي عمله من خلال سجلات ورقية لم يعد لها وجود الآن في كثير من الدول العربية عليه أن يتعلم الخبرات المطلوبة لأداء عمله من خلال الحاسب الآلي والوسائل الحديثة، فالعالم يتطور وينبغي أن تواكب المجتمعات العربية ما يحدث في العالم من تطورات وإلا سنتخلف أكثر مما نحن عليه الآن. ويؤكد المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الإدارية أن العالم يشهد ثورة حقيقية في مجال الإدارة وأداء الأعمال، وهذه الصورة ستؤثر حتماً على مجتمعاتنا، وكلما توسعنا في استخدام التكنولوجيا كلما تم الاستغناء عن العمالة البشرية، فالوسائل والأدوات الحديثة ستلحق بطالة حقيقية في مجتمعاتنا العربية ولن يجد فرصة عمل إلا من يملك أدوات العصر ويستطيع أن يؤدي عمله وفق الوسائل التكنولوجية. لذلك يؤكد الدكتور القحطاني على ضرورة التدريب والتأهيل المستمر للعناصر البشرية مع التركيز على الشباب، فهو الأكثر استعداداً لاكتساب خبرات ومهارات العمل الحديثة، ومن لم يستجب سينضم حتماً إلى طوابير العاطلين الطويلة في بلادنا العربية. وهنا يؤكد الدكتور ناصر القحطاني ضرورة الارتقاء ببرامج التعليم في الجامعات التي تعد متطلبات سوق العمل من العناصر البشرية في مختلف التخصصات، ويؤكد أن المناهج النظرية التي يحفظها الطالب ويفرغها في كراسات الإجابة عند الامتحان وينساها بعد ذلك لم تعد مناسبة الآن للتعليم الحديث الذي يعتمد على إكساب الطلاب الخبرات والمهارات اللازمة للعمل خلال فترة الدراسة وربط الطلاب بمواقع العمل الحقيقية من أجل إكسابهم مهارات العمل خلال فترة التعلم لكي يجد فرصة عمل حقيقية عند التخرج. ضمائر ماتت الدكتور سيف قزامل، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، يرى أن هروب الموظف وإهماله لواجباته الوظيفية تجسد موت الضمير لدى كثير من الموظفين الذين يستحلون الحرام.. ويقول: للأسف هذه الظاهرة لا توجد إلا في المجتمعات العربية حيث يستحل الإنسان لنفسه أن يأكل الحرام ويتكسب من عمل وجهد وكفاح غيره أو يكون عالة على خزينة الدولة المثقلة أصلاً بالأعباء. ويضيف: الموظف العام الذي يؤدي عملاً هو مؤتمن عليه ومطالب شرعاً وقانوناً أن يؤدي هذا العمل وفق القواعد والضوابط المنظمة له فعليه أن يكون موجوداً في مكان عمله خلال الساعات المحددة لهذا العمل، وعليه أن يعمل بكل جهده عملاً جيداً بإخلاص وفق مهاراته وكفاءته المهنية والتي على أساسها تم تكليفه بهذا العمل، وأن يحقق مستوى الإنتاجية المطلوب منه.. وكل من يحقق ذلك فهو يؤدي واجبه المنوط به ويحصل على مقابل ذلك راتباً وحوافز الإنتاج المقررة.. ومن يقصر في هذه الواجبات ويتهرب من عمله، أو يتسرب قبل انتهاء دوامه الرسمي، أو يتواجد في مكان العمل ولا يؤدي العمل المطلوب منه فهو مقصر في نظر قوانين العمل وخائن للأمانة في نظر الشريعة الإسلامية، ومن الواجب محاسبة هذه النوعية من الموظفين حتى لا تنتشر السلبية واللامبالاة بين العاملين وحتى يكون هناك فارق بين الذين يعملون والذين لا يعملون. لذلك يدين أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر سلوك كل موظف لا يراعي الله في عمله فيتهرب من مسؤولياته، أو يعطل مصالح الذين يتعاملون معه دون وجه حق.. ويؤكد أن هذا السلوك دليل واضح على ضعف الوازع الديني، ذلك أن احترام العمل وإعطائه حقه من الوقت والجهد واجب على كل مسلم، فالراتب الذي يحصل عليه الموظف ليس حقاً مكتسباً، بل هو مقابل وقت وجهد، والإنسان الملتزم ديناً وخلقاً يعطي كل ذي حق حقه ولا يقبل بأن يهدر وقت العمل في نوم أو قضاء مصلحة خاصة، أو التقاعس عن أداء الواجبات المنوطة به، ثم إن المؤمن أعمق الناس إحساساً بقيمة الوقت، والله سبحانه سيسأله يوم الحساب عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ ويؤكد الدكتور قزامل أن إهمال العمل في مجتمعاتنا العربية هو السبب الأول في المشكلات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها.. ويقول: لن تتقدم مجتمعاتنا إلا إذا أدى كل إنسان عمله بأمانة وإخلاص وراعى الله فيما يعمله، ومن المؤسف أن الذين لا يؤمنون بدين يحث على العمل ويعتبره قربى إلى الله مثل الإسلام يعملون ويؤدون عملهم بكفاءة وإخلاص أكثر من بعض من ينتسبون إلى الإسلام، لذلك يعد من يهمل في عمله ويتهرب من مسؤولياته الوظيفية عاصيا لله ورسوله. ويطالب الدكتور قزامل بمعاقبة هؤلاء الذين يتهربون من أداء أعمالهم الوظيفية ويتفننون في الهروب من واجباتهم، خاصة إذا ما كانوا يعملون في مؤسسات حكومية لا تطبق عقوبات رادعة .. ويقول: يجب تطهير كل مؤسسات الدولة أي دولة من هؤلاء المتقاعسين الذين يستحلون أكل الحرام وإطعام أسرهم والإنفاق على أبنائهم من مال حرام، فكل مال يحصل عليه الإنسان دون عمل مفيد فهو سحت حتى ولو كان راتباً مقرراً وثابتاً ومحصناً بالقوانين. عشوائية وسلبية وهنا يتدخل الدكتور محمود حمدي زقزوق، مؤكداً أن هذا السلوك المعيب الشائع بين الموظفين في العديد من الدول العربية عائد إلى غياب النظام والعشوائية والسلبية السائدة في حياتنا، ويقول: للأسف في ظل عدم احترام الوقت أصبحت حياتنا خليطاً عجيباً من الفوضى والاضطراب، وهذه الفوضى السلوكية تعني فقدان النظام وتعني التخلف والانفلات من كل القيم الدافعة إلى التقدم والنهضة والارتقاء بالحياة، وفي ظل غياب النظام والانضباط يسود الارتجال والعشوائية والتخبط، ويؤدي ذلك إلى اختلال الموازين في المجتمع وضياع الحدود بين الحقوق والواجبات وبين ما يجوز وما لا يجوز . ويرى الدكتور زقزوق أن الهروب من العمل وعدم إعطائه حقه من الوقت والجهد، مخالفة شرعية فضلاً عن أنه إخلال بعقد العمل، وهذه المخالفة الشرعية والقانونية تستوجب عقاباً رادعاً حتى لا تشيع الفوضى والتملص من الواجبات الوظيفية بين الموظفين. ثقافة اهدار الوقت وعن إهدار وقت العمل فيما لا يفيد يؤكد الدكتور زقزوق أن هذا السلوك المعيب والذي يأثم فاعله شرعاً يأتي في الغالب نتيجة غياب مبدأ الثواب والعقاب وعدم وجود لوائح تشجع وتكافئ من يعمل بكفاءة، وفي بعض أماكن العمل تحدث أخطاء نتيجة العمل، وهذا أمر طبيعي، ومعاقبة العامل أو الموظف عليها باستمرار تؤدي إلى انصرافه وانصراف آخرين عن العمل، فمن يعمل أكثر يخطئ أكثر ويعاقب أكثر بينما من لا يعمل لا تطوله يد العقاب.. وهذا خلل كبير يؤدي إلى تقاعس كثير من العمال والموظفين عن العمل والإنتاج ليريحوا أنفسهم من العقوبات المتكررة التي توقع عليهم. آفة أخرى ويشير الدكتور زقزوق إلى أمر آخر يمثل مظهراً سلبياً لكثير من الموظفين وهو التأخر في الذهاب إلى العمل واختلاق مبررات وحيل لتجنب توقيع جزاءات عليه، ويقول: هذه الظاهرة للأسف شائعة في بعض المجتمعات العربية، وهي تأتي نتيجة ثقافة شائعة عموماً بعيداً عن العمل الحكومي، حيث نرى صوراً صارخة من الفوضى وعدم احترام قيمة الوقت لدى البعض، وبعيداً عن الأمثلة الصارخة في هذا الصدد نود أن نشير هنا إلى مثال واحد فقط لما اعتاد عليه غالبية الناس من تحديد للمواعيد التي يعطيها كل منهم للآخر لإنجاز أعمال معينة أو مصالح مشتركة أو غير ذلك من أمور حياتية، فالبعض يحدد موعداً في ساعة معينة، ولكنه غالباً لا يلتزم بالموعد المحدد، فقد يأتي بعد الموعد بساعة أو بساعتين أو أكثر، وقد لا يأتي، ولا يهمه بعد ذلك ما يسببه هذا التصرف للطرف الآخر من متاعب نفسية وأضرار مادية . مسؤولية العلماء والدعاة الداعية الشيخ سعد الفقي، وكيل وزارة الأوقاف المصرية، يؤكد مسؤولية الدعاة وخطباء المساجد وكل مؤسسات الإعلام والتوجيه الثقافي في المجتمعات العربية عن مواجهة هذا السلوك المعيب الذي تعود عليه كثير من الناس ويتسبب في خسائر كثيرة للأفراد والمؤسسات.. ويؤكد رفض الإسلام لهذه السلوكيات الخاطئة بين المسلمين، مشيراً إلى أن العمل في الإسلام عبادة وقربى إلى الله قبل أن يكون وظيفة، وكل مسلم مطالب شرعاً بأن يؤدي عباداته الدينية وواجباته الاجتماعية بكل حرص وإتقان، حتى يرضي ربه أولاً قبل أن يجني ثمرة حرصه والتزامه بالوقت والجهد اللازم للعمل... وهذا ما ينبغي أن يؤكده الدعاة وخطباء المساجد للجماهير في كل مكان وما ينبغي أن تعمل على ترسيخه مناهج التربية الدينية والوطنية في المدارس وتركز عليه وسائل الإعلام المختلفة في برامجها وما تقدمه لجماهيرها من مواد درامية، حيث لا ينبغي أن يظهر الإنسان الفوضوي المستهتر بالوقت الذي يتهرب من واجباته في صورة بطولية أو صورة محببة للصغار لأنه في النهاية سيكون قدوة سيئة لهم جميعاً. ويؤكد الشيخ الفقي أن الإسلام ربانا على احترام العمل والحرص على عدم إهدار الوقت في ما لا يفيد، وما أكثر النصوص القرآنية والتوجيهات النبوية الكريمة التي تحث المسلم على الاستفادة من كل دقيقة من حياته، واستثمار الوقت في كل عمل مفيد له ولأسرته ولمجتمعه.. ومن بين هذه التوجيهات الكريمة قوله صلى الله عليه وسلم: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ رواه البخاري. وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك أخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد حسن. هذه الإرشادات والتوجيهات النبوية الكريمة تؤكد ضرورة أن يكون للوقت قيمته في حياة المسلم، فلا يتكاسل عن عمل واجب عليه، ولا يضيع وقته في اللهو والعبث، ولا يجلس في بيته أو مكتبه طاقة معطلة عن العمل والإنتاج، ويهدر وقته في أعمال غير مفيدة وقاتلة للوقت، وما أكثرها في عصرنا الحاضر.
  • تجار مسلمون من عُمان وحضرموت... ينشرون الإسلام في اندونيسيا.. بداية من مملكة "آتشيه"

    شريف عبد العزيز الزهيري أصبح الاحتلال الهولندي أمرًا واقعًا منذ سنة 1011هـ، وهي السنة التي تمَّ تأسيس شركة الهند الشرقة فيها، والتي بدأت بمقرٍّ مساحته 94 مترًا في جاكرتا، وانتهت باحتلال كامل الجزر الإندونيسية، أبدى خلالها الاحتلال الهولندي كل صنوف الخداع والمكر والكيد الصليبي الشهير، وقد بدأ الاحتلال تجاريًّا واقتصاديًّا بحتًا، وانتهى عسكريًّا صليبيًّا بكلِّ ما تعنيه هذه العبارة من مضامين وموروثات تاريخية مريرة . لم يتنبه المسلمون بادئ الأمر لخطورة الاحتلال الهولندي؛ إذ بدا تجارة رابحة لا غير، كما كان لطبيعة البلاد الجغرافيَّة ونظم الحكم السياسية المتبعة وقتها أثرٌ في تفريق الصف المسلم أمام عدوه؛ إذ لجأت هولندا للاستفراد بكلِّ مملكة على حدة، مستغلة حالة الصِّراع القديم بين بعض الممالك الإسلامية هناك مثل بانتن وماتارام في تكريس وجودهم في البلاد، ولكن لم تمنع هذه العوائق من ظهور عدَّة حركات لمقاومة الاحتلال الهولندي وحلفائهم من ملوك (ماتارام)، وأشهر هذه الحركات : حركة الزعيم ترونو جويو 1086 هـ، - 1091هـ : وكان هذا المجاهد الكبير أحد علماء جاوة وفقيهًا شافعيًّا قد هاله خيانة منكورات الأول (سلطان ماتارام ) للإسلام والمسلمين بتحالفه مع المحتل الهولندي، وطغيان هذا الخائن واستبداده وقتله لكثيرٍ من العلماء وطلبة العلم في بلاده، فقاد جموع المسلمين في ماتارام للثورة ضد الاحتلال الهولندي والخائن منكورات الأول، وقد بايعه كثير من مسلمي الجزر الإندونيسية ليس في جاوة وحدها ولكن في سومطرة أيضًا، وتوافد عليه المجاهدون من أهل جزيرة "سليبس " و "مكاسر " ؛ وهم من أشجع مسلمي إندونيسيا وأشدهم تمسكًا بمذهب أهل السنة . استغلَّت مملكة (بانتن ) حركة الفقيه (ترونو جويو ) ، وأمدَّته بالمال والرجال والسلاح، وذلك في عهد السلطان أبو الفتح عبدالفتاح، وزادت قوة المقاومة التي يقودها ترونو جويو، فأرسل الهولنديون جيشًا بريًّا وآخر بحريًّا لحصار المجاهدين في جزيرة (ديموج ) بعد أن منع المجاهدون الإندونيسيون الفلاحين من حصد الأرز والتوابل التي تريدها هولندا، وخرج مع الاحتلال جيش الخائن منكورات، واندلعت معارك حامية سنة 1088 هـ، - 1676م دارت فيها الدائرة على الاحتلال وأعوانه الخونة وخسروا خسارة ضخمة . بعد هذا النَّصر المبين أعلن رئيس أهل مكاسر واسمه (كاريج فالي سون )مبايعته للفقيه ترونو جويو وانتخابه زعيمًا لأهل السنَّة والجماعة في عموم إندونيسيا؛ مما أعطى لحركته زخمًا كبيرًا ودعمًا قويًّا، واستولت الحركة على مناطق كبيرة في جاوة؛ مثل دمك وسماراج وديموج، وكثرت أتباعها حتى أوشكت الحركة على فتح ماتارام نفسها والإطاحة بمنكورات الخائن . عندما رأى الخائن تحرُّج موقفه والهزائم المتتالية التي لحقت بأعوانه ورجاله، قرَّر أن يذهب لأبعد مدى في الخيانة والعمالة؛ إذ وقَّع معاهدة مع الاحتلال الهولندي يتعهَّد فيها بدفع كافة مصاريف الجيش الهولندي المحارب للمقاومة والتنازل عن سواحل جاوة الغربية كلها على أن يقوم الهولنديون بالقضاء على حركة الزعيم "ترونو جويو"، واشترط عليهم أن يقبضوا على المجاهد الكبير حيًّا ليشفي منكورات منه غليله ويقتله بيده . بالفعل حشد الهولنديون كلَّ قواتهم في الجزر وجلبوا قوَّات إضافية من بلادهم، وخاضوا معارك شرسة ضد المقاومة حتى أسروا البطل ترونو جويو بعد خسائر فادحة في قواتهم، وجيء به أسيرًا إلى الخائن منكورات، الذي تولَّى بنفسه قتل ذلك البطل العظيم والمجاهد الذي قام بالدِّفاع عن الإسلام والمسلمين . وقد انتقم الله عزَّ وجل من منكورات الخائن الذي باع دينَه ووطنه من أجل المُلك؛ إذ أصيب بمرض عَقلي وانتابتْه نوبات صرع عنيفة أخذت بعقله حتى فقده بالكليَّة، وذهب هائمًا على وجهه حتى هلك في الأحراش والغابات، ولم يتمتَّع بملك ولا سلطان، وباء من دنياه في الآخرة بالخزي والخسران . لم يتوقَّف المسلمون في إندونيسيا عن مقاومة الاحتلال الهولندي؛ بل أخذت الثورة الواحدة تلو الأخرى تندلع في أرجاء الجزر الكثيرة والمترامية، وفي كلِّ مرة يتكبَّد الاحتلال الهولندي خسائرَ فادحة؛ مما جعل الهولنديين يمعنون في أهل البلاد قتلًا وسلبًا ونهبًا وتشريدًا، وقد ارتَدَوا عباءةَ الوحشية والبربرية المشهور بها الإسبان والبرتغاليون، وبالمقابل استمات المسلمون في الدِّفاع عن بلادهم، خاصَّة بعد أن انهارت آمال الهولنديين في تجارة الهند بسبب منافسة الإنجليز والفرنسيين لهم، فرموا بكلِّ ثقلهم وآمالهم في الجزر الإندونيسية التي تفيض لبنًا وعسلًا، ودفعوا إليها بكل قواتهم العسكرية؛ مما جعل فصول المقاومة والجهاد في إندونيسيا من أروع ملاحم الفداء والبطولة في المنطقة بأسرها . ويكفينا دلالة على مدى رَوعة وبسالة المقاومة الإسلامية في إندونيسيا ضد المحتل الهولندي وأعوانه من الخونة والعملاء - أنَّ هولندا قد مكثتْ في حروب مستمرَّة لأكثر من مائة وسبع وستين سنة متواصلة حتى أحكمتْ سيطرتها على كامل الجزر الإندونيسية؛ وهذا تاريخ سقوط أهم البلاد والمدن الإندونيسية، لبيان مدى بسالة المقاومة الإندونيسية، مع العلم أنَّ بعض هذه المدن قد أُخذ بالخداع والحيلة، وليس بالقتال والسلاح . سقطت جاكرتا سنة 1619 م، كراواج 1677 م، سماراج 1678 م، شربون وفريجين 1705 م، مدوره وسُربانه وجرانا وربمج 1743 م، تقل وفكلوجن 1746 م، ماتارام 1749 م، بانتن 1752 م، صولو 1775 م، وأخيرًا بانيو واجي سنة 1777 م . وقع بحول الله وقوَّته وحده عز وجل صِراع عنيف في الجبهة الأوروبية بين أباطرة الاحتلال والاستعمار على مناطق النُّفوذ وتقسيم غنائم العالم الإسلامي، انتهى باحتلال فرنسا لهولندا؛ وذلك سنة 1210 هـ - 1795 م أيام القائد الشهير نابليون بونابرت، وبالتالي أصبحت مستعمرات هولندا في إندونيسيا تابعة لفرنسا، وأسرعت إنجلترا واستولت على ممتلكات ومخازن الشركة الهولندية في الهند وسومطرة دون مقاومة، وبالتالي انتهت الشركة الصليبية التي طالما مصَّت ثروات وخيرات إندونيسيا؛ وذلك سنة 1214 هـ - 1799 م، وتضعضعت مكانة هولندا كقوَّة استعمارية، وتنفس الإندونيسيون الصعداءَ قليلًا وأخذوا في التقاط أنفاسهم وتنظيم صفوفهم، ولكن سرعان ما اتَّفق الفرقاء، وهُزمت فرنسا، واصطلح الإنجليز مع الهولنديين، وعادت الجيوش الهولندية إلى إندونيسيا؛ وذلك سنة 1232 هـ - 1815م، ولكن هذه المرة لاقى الاحتلال مقاومةً شديدة الضراوة والشراسة من الإندونيسيين، وقامت عدَّة حروب وحركات للمقاومة الإسلامية بإندونيسيا، كان من أبرزها : حركة الأمير ديبو نيجورو (1241 هـ - 1246هـ) : كان الأمير ديبو نيجورو أحدَ علماء جاوة على المذهب الشافعي الذين تصدوا للاحتلال الهولندي، وخاض ضده حروبًا طويلة استمرَّت لأكثر من خمس سنوات؛ بداية من سنة 1241 هـ - 1824م، تكبَّد خلالها الاحتلال الهولندي خسائرَ فادحة في الأموال والأنفس، وفقدت خلال حربها ضد الأمير الفقيه ديبو نيجورو خمسة عشر ألفًا من زهرة شبابها، ولما يئست هولندا من التغلُّب على المقاومة وبطلها المغوار، لجأت إلى سلاح المكر والخيانة؛ إذ عرضت على الأمير الدخول في مفاوضات تحديد المصير وإنهاء القتال، ثمَّ خدعوه وغرروا به وألقوا عليه القبض أثناء المفاوضات ونفوه إلى جزيرة (سيلبس)، وظلَّ بها حتى توفي رحمه الله في 8 فبراير سنة 1855م بعد أن ضرب أروعَ الأمثلة في مقاومة الاحتلال، وقد قام الاحتلال بفرض ضرائب مرهقة وباهظة على الشعب الإندونيسي لقتل روح المقاومة فيه وشغله بهَمِّ توفير حاجاته الأساسية، كما عمل الاحتلال على تركز كل جهوده في جزيرة جاوة التي كانت قلب المقاومة النابض ومعدن الثورة الدَّائمة ضد الاحتلال الصليبي الهولندي، وتركوا باقي الجزر تحت حكم الأمراء المحليين . حركة البدريين (1237 هـ - 1253هـ) : خلال الفترة التي وقعتْ فيها هولندا أسيرةَ الاحتلال الفرنسي وتنسم الإندونيسيون الحرية قليلًا، نشأت جمعيَّة دينية في وسط جزيرة "جاوة " أطلق عليها اسم (بدري ) ومعناه البيضاء؛ رمزًا لطهارة القلوب، وصفة للملابس والطواقي البيضاء التي كان يحرص المنتسبون إلى هذه الجمعية على لبسها، وقد اشتغلت الجمعيَّة بالدعوة إلى الإسلام وإزالة آثار الاحتلال الهولندي الخبيثة، فلمَّا عاد الاحتلال مرَّة أخرى أعلنت حركة "بدري " الجهاد ضد الهولنديين؛ وذلك سنة 1237 هـ - 1820م، واستمرَّت حركة المقاومة البدرية طيلة خمس عشرة سنة متواصلة، حققت خلالها الحركة انتصارات عديدة، وشكلت مجلسًا للحكم ضمَّ ثمانية علماء، وكان قائد جيوش الحركة الشيخ مصطفى سحاب الذي كان مثالًا للشجاعة والتضحية، ولم يستطع الاحتلال الصَّليبي الهولندي أن يقضي على هذه الحركة الإسلاميَّة للمقاومة إلا بإشعال نار الفتنة والعصبية العرقيَّة بين السكان الذين ينتمون إلى قبائل شتى، وبالتالي تفرَّغت هي للبدريين، وانشغل السكَّان بحروبهم الأهلية . وهكذا نرى الأثر المقيت والخبيث للعصبيَّة والقبلية والقومية في كل زمان ومكان، ولقد تكبَّدت الأمَّةُ بأسرها خسائر ضخمة ومهولة من جرَّائها؛ ومع ذلك لم يعِ أبناء الأمَّة الدرس، وما زال جرح العصبية والقبلية غائرًا نازفًا، وفي أماكن كثيرة؛ في السودان وفي الصومال وفي اليمن وفي بلاد المغرب العربي، والجراح كثيرة وأعداء الأمَّة يحسنون استغلال ذلك وبأبشع الصور . حروب مملكة آتشيه (1290 هـ - 1322هـ) : وهي الفصل الأروع والأطول في فصول المقاومة الإسلاميَّة على أرض إندونيسيا، وقد أخذت هذه الحروب طابعَ الجهاد المقدس، واستمرَّت لأكثر من ثلاثين سنة، ومملكة آتشيه تقع في شمالي جزيرة سومطرة، وهي أولى الممالك الإندونيسية القديمة وأول بقعة دخلها الإسلام، وأهلها مشهورون بالصلابة والاعتزاز بالإسلام لأقصى درجة، ولما جاء الاحتلال الهولندي إندونيسيا أولَ مرة لم يرد الصليبيون الصدامَ معهم لشدة بأسهم، فتركوا المملكةَ للحُكَّام المحليين، فحدث نزاع طويل بين علماء المملكة وحكامها؛ ذلك أن العلماء كانوا يرفضون النفوذَ الهولندي ويحرضون الناس على الخروج للجهاد ونجدة أهل جاوة، في حين إنَّ الحكام آثروا السلامةَ ورضوا بدفع الضرائب للاحتلال على أن يتركوا المملكةَ وشأنها، ولكن مع بداية القرن الثاني عشر الهجري استعادت المملكة قوَّتَها وبدأت تستعد لمواجهة الاحتلال الهولندي لإندونيسيا . في الوقت نفسه كان الاحتلال الهولندي قد سيطر على جزيرة "جاوة " كلها، واتَّجه إلى الممالك الإسلامية الأخرى في سومطرة وما حولها، فأخضعوها جميعًا بالخديعة والغدر لا بالقوة العسكرية، وإن كان النصر يتم أحيانًا على بعض الممالك بالقوة والسلاح الحديث، ولم يبقَ من سائر الممالك الإسلامية سوى مملكة آتشيه، فبدأت حربٌ طويلة ورائعة ابتداءً من سنة 1290 هـ - 1873 م، أيام حكم السلطان (إبراهيم منصور شاه ) ، وبرز خلال هذه الحرب الطويلة البطل "تنكو عمر" قائد جيوش آتشيه الذي اتبع تكتيكات فريدة في محاربة الهولنديين، وقد تكبَّد الاحتلال الهولندي خسائر مهولة خلال هذه الحرب، واستنزفت ميزانية الاحتلال في محاربة المجاهدين، ورغم انتهاء الحرب المفتوحة سنة 1322 هـ - 1904 م، إلا أنَّ الهولنديين لم يستطيعوا السيطرة على مملكة آتشيه إلَّا بعد عشر سنوات كاملة؛ لاستمرار الاضطرابات وحروب العصابات من السكان؛ أي: حتى سنة 1332 هـ - 1914م، وهي السنة التي اندلعت فيها الحرب العالمية الأولى . دور الجمعيات والمؤسسات الإسلامية في الاستقلال : بعد حروب مملكة آتشيه استقرَّت أقدام الاحتلال الهولندي في إندونيسيا، وأخذ الاحتلال في تنفيذ خطَّة منهجية، وضعها المستشرق الهولندي (سنوك هورو ) للسيطرة على مسلمي إندونيسيا، تقوم على إبادتهم بالأمراض والجهل والتخلُّف، وإبعادهم عن دينهم بنشر المفاسد والفجور، وتفريق صفِّهم وكسر وحدتهم الإسلامية بإحياء العصبية والقبلية والقوميَّة العرقية بين أبناء البلد الواحد، وقبل ذلك كله نشر النصرانية قسرًا بينهم . فلما رأى الإندونيسيون هذه الحرب الصليبية الضروس والمنظمة ضدهم، اتَّجهوا نحو توحيد الصفوف وتأسيس الجمعيات والأحزاب والمؤسسات الإسلامية لمواجهة هذه الحرب الشاملة، فتأسَّست الجمعية الخيرية في جاكرتا، وجمعية مكارم الأخلاق في شرقي جاوة، وجمعية شركة إسلام، وقد تحوَّلت إلى حزب سياسي كبير وله شعبية، وجمعية الإرشاد للتعليم بالعربية، والجمعية العائشية؛ وهي خاصة بالسيدات في جزيرة سومطرة، وجمعية نهضة العلماء التي صارت بعد ذلك أكبر حزب سياسي في البلاد وأكبر جمعية إسلامية على مستوى العالم، وجمعية الإصلاح الإسلامي، وجمعية الشبان المسلمين، وحزب التنوير الإسلامي . فعدَّت هولندا كلَّ هذه الجمعيات والمؤسسات الإسلامية في الجزر الإندونيسية خطرًا بالغ الأهمية، فعمَدت هولندا إلى تشجيع العلمانيين والمفتونين بالغرب على تأسيس أحزاب خاصَّة بهم، فتأسَّس الحزب الشيوعي الماركسي والحزب الاشتراكي الديمقراطي وهو موالٍ للاحتلال، ثمَّ عمدت هولندا لخطة في غاية المكر لتشغل بها مسلمي إندونيسيا عن قضية الاستقلال؛ إذ فتحت البلادَ للدعوة القاديانية الضالة وهيَّأت لهذه الفئة الضالة الكافرة أفضلَ الظروف للانتشار، فهبَّ مسلمو إندونيسيا يقاومون هذه الفئة الضالَّة ويدافعون عن دينهم، كما عمل الاحتلال الهولندي على دعم الشيوعيين والعلمانيِّين وإفساح المجال لهم للتحدث مع الجماهير، في حين تمَّ القبض على الزعماء المسلمين والزج بهم في السجون، ونفي الكثيرين منهم إلى جزيرة غينيا الجديدة المعروفة باسم الجزيرة الحمراء؛ لكثرة الأمراض والأوبئة الفتَّاكة بأرضها، فخلَت الساحة الإندونيسية للشيوعيين والعلمانيين الذين أخذوا في العبث بعقول البسطاء بالدعايات الكاذبة والأماني الزائفة . ومع ذلك أبدى الإندونيسيون مقاومة نادرة لكلِّ هذه الخطوات الشيطانية للاحتلال الصليبي الهولندي؛ إذ بدأت حركة اتِّحاد بين كل الجمعيات والأحزاب الإسلامية في البلاد، وتشكل المجلس الإسلامي الأعلى الذي اكتسب صفة العالمية؛ حتى إنَّه قد انشغل فترة من الوقت بقضية الخلافة . وبعد ذلك تعرَّضت إندونيسيا للاحتلال الياباني أثناء الحرب العالمية الثانية، فقام الإندونيسيون بمقاومة الاحتلال الياباني، وقد اتَّفق زعماء البلاد مع قوات الحلفاء على الاستقلال بعد هزيمة اليابان، ولكن هذه الوعود كلها تبخَّرَت كما هي عادة الاحتلال في كلِّ زمان ومكان، وما أن انتهت الحرب حتى عاد الهولنديون لاحتلال البلاد، فانتفض الإندونيسيون جميعًا وأشعلوا نارَ الثورة والمقاومة؛ حتى نالوا استقلالهم وأعلنوا دولتهم في 1369 هـ - 1949م، ليبدأ الإندونيسيون بعدها حربًا من نوع آخر ضد ذيول الاحتلال وصنائعه وأذنابه داخل البلاد، وضد الحملات التنصيرية الشرسة والمحمومة على هذه الأرض المباركة، ولقد أثبت الإندونيسيون رغم كل ما يتعرَّضون إليه من مآسٍ وكوارث أنَّهم شعب المقاومة الباسلة، حتى أصبحت إندونيسيا أكبرَ بلد مسلم على وجه الأرض من حيث تعداد السكان، والله عز وجل غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
  • "موصياد" التركية.. منصّة رأس مال عالمية رائدة

    تواصل "جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين" (موصياد)، أعمالها على نطاق واسع، بصفتها أكبر منظمة مجتمع مدني في تركيا والأكثر انتشارًا، ومنصة رأس مال عالمية، وجسر مهم للمستثمرين الأتراك في الدول الأجنبية. الجمعية التركية، تأسست بمدينة إسطنبول في مايو/ أيار من عام 1990، ولديها مساحة أعمال واسعة عبر أعضائها في شتى القطاعات، حيث تنشط في نطاق واسع، يشمل المعلوماتية والتعليم والطاقة وحتى قطاع الخدمات. تساهم موصياد في تطوير التعاون التجاري من خلال توقيع اتفاقيات تفاهم مع منظمات المجتمع المدني المهمة والمؤسسات الرائدة في عالم الأعمال لدى الدول الأجنبية، لتقدم مساهمة كبيرة في صادرات تركيا من جهة، وترفع علامة البلاد التجارية من جهة أخرى. تمتلك موصياد عددًا كبيرًا من الممثليات في مناطق مختلفة من العالم، وفي نفس الوقت، افتتحت العديد من الفروع في الخارج مثلما هو الحال بالنسبة إلى الداخل، وعززت قوتها في الساحة الدولية مع كل تشكيلة جديدة. تضم الجمعية 11 ألف عضو ونحو 60 ألف شركة، وتوفر فرص عمل لنحو مليون و600 ألف شخص، وشبكة أجهزة موزعة على 87 نقطة داخل البلاد و223 نقطة في 93 دولة حول العالم. موصياد لديها فروع وممثلين في 13 دولة عربية على رأسها؛ السعودية والعراق وقطر والإمارات العربية المتحدة/دبي والمغرب والجزائر والأردن والكويت وعمان وليبيا وسوريا. **مشاريع موصياد تهدف الجمعية إلى بناء "مجمعات صناعية متوسطة الحجم" في 81 ولاية تركية، من أجل تسهيل عملية عبور منتجي "المجمعات الصناعية الصغيرة" ذات المساحة والإمكانيات الانتاجية المحدودة إلى المناطق الصناعية المنظمة. نهج السياسة الخارجية متعددة الأبعاد، يوجه تركيا إلى الانفتاح على مناطق مهملة في الماضي. ويعد الانفتاح على إفريقيا واحدًا من الانفتاحات الأكثر نجاحًا في هذا الصدد. وتسعى موصياد لأن يكون مركز التجارة والثقافة الإفريقي التركي الذي أطلقته وفقًا لهذا النهج، بمثابة جسر مهم بين الطرفين، وتواصل أعمالها لبناء المركز الأول في بنين. تسعى موصياد من خلال مشروع منشآت إنتاج الكهرباء من الزراعة والثروة الحيوانية والغاز الحيوي، وإنتاج الأسمدة العضوية والعضوية المعدنية، إلى تطوير ثقافة الشراكة لدى أعضائها، وبالتالي ضمان قيامهم بمشاريع مميزة تنشر المعلومات والممتلكات، وتستخدم التقنيات المحلية والوطنية، وتتمتع بقيمة مضافة عالية، وتوفر فرص أعمال واسعة، ويتم تمويلها بـ"نموذج شراكة الربح الخسارة". تهدف الجمعية من خلال نظام تمويل العقار بدون فائدة، إلى تطوير وتوسيع هذا النوع من الأنشطة التي تتيح للمستهلك المالي حق الحصول على قروض العقارات مقابل وضع كمية من الودائع لفترة معينة من الزمن. ومن خلال نظام التمويل التعاوني SENYAP الذي يعد نظامًا يستمد قوته من شريكه، ويدرج شريكه في الاقتصاد، ويخرجه من صفة المشتري ليرفع إلى منصب المستثمر والإداري، تهدف موصياد إلى ضمان إحياء الشراكة التي توفر التمويل للمشاريع ذات القيمة المضافة، وتقدم ربحًا حلالًا وعادلًا لشريكها. وتسعى من خلال بورصة الأصول العقارية GABORAS التي تعد من اشتراكات SENYAP إلى ضمان اجتماع قطاع العقارات في منطقة مشتركة وشفافة وموثوقة بالنسبة إلى جميع أصحاب المصلحة، وبطريقة عادلة، بينما يواصل القطاع نموه. أمّا مشروع SENPOLY، فإن الجمعية تهدف من خلاله إلى إنتاج البوليول في تركيا، وهي مادة تستخدم على نطاق بالصناعة، وبالتالي ضمان خفض استيرادها إلى أدنى مستوى، والحصول عليها محليًا بالكامل على المدى الطويل. صندوق رأس المال الاستثماري، الذي يعد مشروعًا لبناء رأس مال تشاركي ومتعدد الشركاء، من أجل دعم أعضاء موصياد في مرحلة الاستثمار، سيكون قوة مهمة وراء رجال الأعمال المنتجين والذين يرغبون في تطوير استثماراتهم الإنتاجية. وكذلك مشروع صندوق القرض الحسن الذي أطلقته الجمعية لضمان استمرار تقليد قديم، ساهم في تحويل ثقافة التضامن التعاون بين أعضائها إلى بنية مؤسساتية، ليقوم بمأسسة ثقافة التعاون والتضامن التي قامت بتطويرها لتسهيل التجارة. تعمل موصياد على تطوير مشاريع لدعم المنتجين المحليين من خلال تشجيع استخدام المنتجات المحلية في السوق المحلية، وخاصة في القطاعين العام والخاص. وعبر حملة الإنتاج المحلي - الماركة الوطنية، تهدف إلى تشجيع استخدام المنتجات المحلية والوطنية وزيادة الإنتاج المحلي عن طريق تقليل الطلب على العلامات التجارية الأجنبية والمنتجات المستوردة إلى أدنى مستوى.
  • الضوابط الشرعية للإعلانات التجارية

    لا يكاد الواحد فينا ينظر إلى أي مكان يسير فيه إلا ويجد لوحات لإعلانات مختلفة في أشكالها وأحجامها، تلك الإعلانات أصبحت تشكل نمطاً مهماً في حياة التجار لا غنى لهم عنها في واقعنا المعاصر، والتي أصبحت الآن شركات مختصة في إنتاج تلك الإعلانات، مستغلة كل الوسائل الحديثة من مجلات وإذاعات مرئية ومسموعة وانترنت حتى خدمات الجوال وغيرها لإظهار إنتاجها، ولكل من هذه الشركات فلسفتها الخاصة بها، فمنها ما يراعي الضوابط الشرعية في إعلاناته، ومنها مالا يهمه من ذلك إلا كسب المال بغض النظر عن مدى ملائمة تلك الإعلانات للضوابط الشرعية فيها، ونحن بدورنا في هذا البحث نريد أن نسلط الضوء على أهم تلك الضوابط، التي لا بد وأن يلتزم بها عند تصميم تلك الإعلانات التجارية. أولاً: طبيعة الموضوع: الموضوع في طبيعته ناقش مدى مشروعية الإعلانات التجارية والتي أصبحت تمثل مرتكزاً مهماً للدخل المادي في وسائل الإعلام المختلفة، كما تناول أهم الضوابط التي لا بد وأن يلتزم بها عندعرض تلك الإعلانات. ثانياً: أهمية الموضوع. تكمن أهمية الموضوع فيما يلي: 1- تسليط الضوء علي قضية هي من أكثر القضايا عرضاً ومشاهدة على وسائل الإعلام المختلفة، حيث أصبحت لها مجلات وقنوات فضائية مختصة، مع إظهار مدى مشروعيتها. 2- إظهار أهم الضوابط التي لابد وأن تراعى عند تصميم الإعلانات التجارية. المبحث الأول: حقيقة الإعلانات التجارية المطلب الأول: الإعلان في اللغة جاء الإعلان في اللغة بعدة معان متقاربة، هي: - 1- الظهور: يقال: أَعْلَنَ يُعْلِنُ إعلاناً؛ إذا أظهره (1)، وجاء في معجم المقاييس في اللغة: العين واللام والنون أصل صحيح يدل على إظهار الشيء والإشارة إليه وظهوره (2). ويقال: أمره عَالِن: أي ظاهر (3). والإعلان: إظهار الشيء بالنشر عنه في الصحف ونحوها (4). 2- الجهر: عالَنه به معالنه وعِلاناً: جاهره (5). ويقال: أعْلَنَه أي جهر به(6). 3- الذيوع والانتشار: يقال عَلَنَ الأمر عُلُوناً؛ إذا شاع وظهر (7). المطلب الثاني: الإعلان في الاصطلاح الإعلان عند الفقهاء موافق لمعناه اللغوي سواء بسواء (8). وأما تعريفه عند أهل السوق والتجار فهو: "ما ينشر في الصحف أو الإذاعة أو نحوها في نشرات خاصة مما يهم المُعْلِن أن يطلع الناس عليه ويستجيبوا له"(9). ولقد عرفته جمعية التسوق الأمريكية تعريفاً عاماً وهو: " مختلف نواحي النشاط التي تؤدي إلي نشر أو إذاعة الرسائل الإعلانية المرئية أو المسموعة المختلفة على الجمهور؛ بغرض حثه على شراء سلع، أو خدمات، أو من أجل استمالته إلي التقبل الطيب للأفكار أو الأشخاص أو منشآت معلن عنها"(10). ولقد عرَّف أحمد عيساوي الإعلان من وجهة نظر إسلامية بأنَّه: " علم وفن التقديم المشروع إسلامياً للسلع، أو الخدمات، أو التسهيلات، أو المنشآت الشرعية؛ وذلك لخلق حالة من الرضا النفسي والقبول لدى الجمهور مقابل أجر مدفوع، يقوم بها وسيط إعلاني إسلامي، يتخذ من وسائل الإعلام والاتصال مفصحاً فيه عن شخصية وطبيعة المعلن"(11). المطلب الثالث الألفاظ ذات الصلة: 1- الإظهار: وهو مجرد الإبراز بعد الخفاء (12). وعلى هذا فإن الفرق بين الإظهار والإعلان: أن الإعلان هو المبالغة في الإظهار. ومن هنا قالوا: يستحب إعلان النكاح، ولم يقولوا إظهاره؛ لأن إظهاره يكون بالإشهاد عليه فحسب. 2- الإفشاء: يكون الإفشاء بنشر الخبر من غير مجاهرة ولا إعلان، وذلك ببثه بين الناس. 3- الإعلام: وهو إيصال الخبر مثلاً إلى شخص أو طائفة من الناس، سواء أكان ذلك بالإعلان، أم بالتحديث من غير إعلان، وعلى هذا فهو يخالف الإعلان من هذه الناحية، ومن ناحية أخرى فإنه لا يلزم من الإعلان الإعلام، فقد يتم الإعلان ولا يتم الإعلام؛ لسفر أو حبس أو نحو ذلك (13). المبحث الثاني: أنواع الإعلانات التجارية وأهدافها عرف الناس منذ القدم أنواع من الإعلانات التجارية، وإن كانت بدائية في ذاتها، فهي بذلك قديمة حديثة، ولكن مع تقدم العصور وظهور الحاجة لهذا الجانب؛ بدأت: تتطور تلك الأنواع بتقدم التكنولوجيا الحديثة ودخلت بقوة في المجتمعات مما أبرز تلك الأنواع بشكل واضح. ونحن بدورنا في هذا المبحث سنعرض لأهم أنواع الإعلانات التجارية مع التعريج على أهم خصائصها وأهدافها ومقاصدها. المطلب الأول: أنواع وخصائص الإعلانات التجارية: الناظر والمتتبع لواقع الإعلانات التجارية في القديم والحديث يجدها كثيرة متعددة وسيتم تسليط الضوء على أهمها وهي في التالي: 1- المنادي: وهو من يوفده الحكام أو الملوك أو الأمراء ليتجول في الأسواق والطرقات ثم يجمع الناس حوله ليبلغهم برسالته. 2- الدلال: وهو من كان ينادي قديماً على السلع في الأسواق؛ لترويجها، ولعل هذين الأسلوبين من أقدم الأساليب، بالإضافة لعرض البضاعة أمام البائع وإظهارها بمظهر جميل؛ ليتم الإقبال عليها من قبل الناس. 3- الإعلانات المطبوعة: وهي الأقدم على الإطلاق بين فنون الإعلان الحديث، وهي: إعلانات الصحف، والمجلات، والدوريات، والمنشورات، والملصقات. 4- الإعلان غير المباشر: ومنها الكتيبات والمطويات التي ترسل بالبريد وغيره لأشخاص بعينهم. 5- الإعلانات الخارجية: وهي إعلانات الشوارع والمعارض، والإعلانات على جوانب الحافلات العامة. 6- الإعلانات المسموعة: وهي الإعلانات الإذاعية التي تبث على موجات الأثير الإذاعي. 7- الإعلانات المسموعة/المرئية: وهي إعلانات التلفاز، وهي الأكثر انتشاراً الآن، وكذلك إعلانات دور السينما. 8- الإعلانات على شبكة (الإنترنت): وقد زادت أهميتها بازدياد أهمية شبكة المعلومات العالمية كوسيط إعلامي هائل، وتطورت إعلاناتها حتى وصلت إلى المستوى المتقدم الذي نراه اليوم. 9- الإعلانات على شاشة الهاتف الجوال (رسائل sms): ولقد أصبحت من الوسائل الهامة بعد أن ازداد مستخدمو الجوال حول العالم، بحيث تستطيع أي شركة أو مؤسسة إيصال إعلاناتها من خلال شركات الاتصال المختلفة المنتشرة حول العالم بكل يسر وسهولة (14). المطلب الثاني: أهداف ومقاصد الإعلانات التجارية: أولاً: الأهداف العامة للإعلانات التجارية: من الممكن عرض مجموعة من الأهداف العامة للإعلانات التجارية متمثلة فيما يلي: 1. تغيير سلوك المستقبلين؛ كلي يصبحوا مستهلكين. 2. تعريف الجمهور بالسلعة ومميزاتها مع وصف استعمالاتها. 3. إيجاد جو من الثقة بين الجمهور والسلعة المعروضة. 4. تسويق أكبر كمية من السلع المعروضة، مع تحقيق الأرباح. 5. حث المستهلكين على زيادة مشترياتهم من السلعة. 6. تصحيح المفاهيم نحو السلعة المعرض عنها. 7. دعم مجهودات رجال البيع. ثانياً: أهداف ومقاصد الإعلان التجاري الإسلامي: يضطلع الإعلان التجاري الإسلامي بعدة تستطيع والتي يحقق بواسطتها تحقيق جملة من: الوظائف، والأهداف، والمقاصد، لعل من أهمها: 1. تعريف جمهور المسلمين وغيره بأهم خصائص ومميزات السلع، والخدمات، والتسهيلات، والمنشآت الإسلامية. 2. تقديم المنتجات الإسلامية للجمهور المسلم ولغيره، مع تدعيم وجودها في السوق، والتشجيع على الإقبال عليها دون غيرها من السلع والمنتجات المستوردة، والمسارعة لاقتنائها. 3. تهيئة مناخ طيب من الألفة والإقبال؛ لاقتناء السلع الإسلامية المنتجة محليا، والتعامل مع الخدمات والتسهيلات والمنشآت الإسلامية، وتفضيلها على غيرها. 4. تحرير الفرد والمجتمع المسلم من قيود التبعية الاستهلاكية، ومن قابليات الاستهواء النفسي والمعنوي للسلع والخدمات والمنتجات والتسهيلات القادمة من الغرب، مع تحريره كذلك من حالة الخوف الداخلي القائمة في نفسيته حيال المنتجات والخدمات الوطنية والإسلامية، التي أقامتها وما زالت تقيمها الهيمنة الاقتصادية والثقافية والحضارية الغربية. 5. تحرير الاقتصاد المسلم من الهيمنة الاقتصادية العالمية، مع إيجاد مناخ من التوافق الاجتماعي والاقتصادي بين السلع والخدمات والمنشآت والتسهيلات الإسلامية، والفرد والمجتمع المسلم. 6. تنبيه الجمهور المسلم وغيره لبعض السلع الدخيلة المستوردة، التي تكون موضع شبهة من الناحية الشرعية، كالشحوم، واللحوم، والمشروبات، وبعض مراهم التجميل، التي يدخل في صناعتها شحم الخنزير أو الكحول أو غيرها من المواد المحرمة، والتي يوجد لها نظير في السوق المحلية الإسلامية. وكذلك الخدمات والتسهيلات المشبوهة التي قد تغرر بالجمهور المسلم وبالسوق الإسلامية. 7. توفير جو من الراحة النفسية، مع بعث مناخ من الطمأنينة الداخلية الفردية والجمعية للفرد والمجتمع المسلم، من خلال عملية النشاط الإعلاني الشرعية، وذلك بإشاعة ثقافة الترفيه، والمرح، والتسلية المشروعة عن طريق الإعلانات. 8. تجنيب الفرد والمجتمع المسلم حالة الاحتقان العاطفي والاحتباس النفسي، التي يتلقاها بقوة من سيل المضامين والرسائل الإعلانية الغربية. وذلك بتقديمه للجرعات العاطفية المتزنة والمشروعة، والتي تضمن له توافقه الاجتماعي النفسي والعاطفي. 9. تزويد الفرد والمجتمع المسلم: بالقيم والأفكار والمعارف الصحيحة، التي تزيد من مستواه المعرفي، وترفع من معنوياته، وتثبت نفسيته. 10. ترسيخ القيم الفاضلة في نفسية وسلوك الفرد والمجتمع المسلم، ونبذ كل ما عداها من القيم الهابطة، وذلك بإبراز القيم الدينية والأخلاقية الفاضلة في الإعلان عن السلع والمنشآت وغيرها، مع الإغراء باستعمالها: سلوكياً وأخلاقياً وجمالياً. 11. المساهمة في خفض تكاليف السلعة أو الخدمة، بحيث يوجه الجمهور إلى أماكن توافرها، وتوقيت مبيعاتها، وطرق الإقبال عليها، فيوفر عليه بذلك جهداً ووقتًا وتكلفة تكفيه مؤونة البحث والتفتيش والانتظار، مما يحفزه للقيام بنشاطات أخرى تعود عليه وعلى الأمة بالخير. 12. ضبط ظاهرة الاستهلاك المشروع، وذلك بتنمية حركية الإنتاج المحلي، وتشجيع الدورة الاقتصادية، وحركية السوق، والرفع الإيجابي من المستوى الاقتصادي والمعيشي للجمهور المسلم، بما يتوافق ومقاصد الشرع في الاستخلاف والاستعمار المشروع لثروات الأرض. 13. تشجيع حركة المنافسة الاقتصادية المشروعة، لا سيما بين المنتجات المحلية والإسلامية؛ لتقف في وجه المنتجات الغربية المهيمنة. 14. العمل على إيجاد علامات فارقة إسلامية (ماركة إسلامية) خاصة، مع تدعيمها في مخيلة الفرد والمجتمع المسلم؛ لمواجهة (الماركات) الغربية العالمية المهيمنة على النفسيات والأسواق. 15. تشكيل قوة قيمية؛ وثقافية، وحضارية إسلامية متحدة ومهيمنة، هدفها الرئيس خدمة التوجه العربي الإسلامي الاقتصادي والمالي: المحلي والإقليمي والعالمي(15). المبحث الثالث: مشروعية الإعلانات التجارية المطلب الأول: أدلة مشروعية الإعلانات التجارية: تعتبر الإعلانات التجارية وسيلة ترويجية؛ لإنفاق السلع المختلفة، فهي بذلك تقع تحت إطار البيع والشراء أو مقدماتها، وبما أن الإعلانات عبارة عن معاملات تجارية، فإن الأصل فيها الإباحة والجواز ما لم يرد دليل يحظرها؛ لقوله تعالي: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (16)، وجاء في القاعدة الشرعية: "الأصل في الأشياء الإباحة"(17). ولقد جاءت الأدلة الشرعية بإباحة وجواز هذا الأمر ضمن ضوابط محددة، فإذا خرج الأمر عن ضوابطه أصبح ممنوعاً وخارجاً عن إطار الشرع ومن هذه الأدلة على مشروعية الإعلانات الكتاب والسنة والمعقول. أولاً: القرآن الكريم: قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}(18). وجه الدلالة: دلت الآية الكريمة على أن البيع في مجمله مباح، ولا يدخل التحريم إليه أو إلى تفصيلاته إلا بدليل(19)، وقال ابن حجر العسقلاني: "والآية أصل في جواز البيع، وللعلماء فيها أقوال أصحها أنه عام مخصوص، فإن اللفظ لفظ عموم يتناول كل بيع فيقتضي إباحية الجميع، لكن قد منع الشارع بيوعاً أخرى وحرمها فهو عام في الإباحة مخصوص بما لا يدل الدليل على منعه"(20). وبالنظر إلى صورة الإعلانات التجارية لم نجد دليلاً خاصاً أو عاماً على منعه وتحريمه، بل كانت الحوادث والشواهد في عصر النبي صلى الله عليه وسلم تدلل على عدم منعه، وذلك ما سيظهر من الأدلة القادمة. ثانياً: السنة النبوية: 1. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على صُبْرة(21) طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابَتْه السماء يا رسول الله قال: أفلا جعلْتَه فوق الطعام كي يراه الناس مَن غَشَّ فليس منِّي(22). وجه الدلالة: بين الحديث طريقة من طرق عرض البضاعة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وهي الصبرة، حيث تعتبر بذلك وسيلة من وسائل الإعلانات التجارية، وإن كانت في حد ذاتها وسيلة بدائية، إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على صاحبها طريقته في العرض أو الإعلان عن البضاعة، ولكن كان النهي والإنكار على الرجل؛ كونه أعلن عنها بطريقة الغش والخداع، حيث أظهر البضاعة بغير مظهرها الحقيقي، حيث جعل المبتل منها غير ظاهر للمشتري. ويفهم من هذا: أن الإعلان عن البضائع بالطرق البعيدة عن الغش والخداع مشروعة. 2. "قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام عند مجاعة وغلاء سعر، وكان معه جميع ما يحتاج الناس من بُرّ ودقيق وغيره، فنزل عند أحجار الزيت، وضرب بالطبل؛ ليؤذن الناس بقدومه، فخرج الناس إلا اثني عشر رجلا، وقيل: أحد عشر رجلا، قال الكلبي: وكانوا في خطبة الجمعة فانفضوا إليها"(23). وعن مجاهد ومقاتل: "كان النبي- صلى الله عليه وسلم -يخطب فقدم دحية بن خليفة الكلبي بتجارة فتلقاه أهله بالدفوف فخرج الناس"(24). وفي رواية: "فدخل رجل _ أي المسجد _ فقال: إن دحية بن خليفة الكلبي قدم بتجارة، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدِّفاف، فخرج الناس"(25). نرى من الروايات المختلفة أن الناس كانت لها أساليبها الخاصة في الإعلان عن قدوم التجارة؛ كي يتجمع الناس ويأخذوا ما يحتاجون إليه ألا وهو قرع الطبول أو استخدام الدفوف، وتلك في عصرهم كانت عبارة عن وسائل إعلانية، ولم يُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهاهم عن تلك الوسائل فتكون مشروعة. 3. كان الصحابة - رضوان الله عنهم- يعرضون بضائعهم في سوق المدينة، ثم ينادون عليها إما بأنفسهم وإما عن طريق عبيدهم وغلمانهم، وتلك الطريقة وهي العرض والمناداة نمط من أنماط الإعلانات التجارية على الرغم من بدائيته، ولم نعلم من النبي صلى الله عليه وسلم إنكاره لذلك؛ فيكون إقراراً منه صلى الله عليه وسلم على جواز الإعلانات التجارية(26). ثالثاً: المعقول: جاءت الشريعة الإسلامية بالتيسير ورفع الحرج؛ قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}(27). ولقد أصبحت الإعلانات التجارية بالوسائل المختلفة من الضرورات الملحة؛ لإنفاق البضائع المختلفة، وخاصة أن العصر الحديث قد كثرت فيه الشركات المصنعة للبضائع بمواصفات مختلفة فأصبح من الملح أن تعرض كل شركة لبضائعها؛ لتظهر ما فيها من تلك المواصفات، وإن مُنع التجار من ذلك؛ دخلوا في مشقة وحرج. ولكن نقول: إن الوسائل التي تعرض من خلالها البضائع لابد وأن تكون ملتزمة ومنضبطة بضوابط الشرع الحنيف. المطلب الثاني: حكم الإعلانات التجارية: قلنا إن الإعلانات التجارية جائزة ومشروعة، والأصل فيها الإباحة، إلا أنها بالرغم من ذلك: قد تكون واجبة: إن دخل في الإعلان ترويج لما يجب على المسلم اقتناؤه مثل المصحف، أو كان وسيلة متعينة لترويج أمر يكون به قوام الأمة الإسلامية كالترويج لموقع إسلامي تعليمي أو دعوي على شبكة (الإنترنت) مثلاً، أو الترويج لقناة دعوية تبث أفكاراً إسلامية على إحدى الفضائيات...، يمكن أن يساهم في تحقيق مصلحة شرعية أو واجب. وقد تكون مندوبة: إن كان فيها ترويج لشيء مندوب، مثل الترويج للسواك فإنه بذلك يروج لسنة قد استننها النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي أو على الناس؛ لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة"(28). وقد تكون حراماً: إن دخل في تصميم الإعلان شيء محرم، مثل ظهور النساء سافرات، أو كانت الإعلانات تشتمل على شيء محرم مثل إعلانات الدخان أو الخمور أو لباس الحرير للرجال والشرب من آنية الذهب والفضة، فعن ابن أبي ليلى قال: كان حذيفة بالمداين، فاستسقى فأتاه دهقان بقدح فضة فرماه به فقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته وإن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن الحرير والديباج والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: هن لهم في الدنيا وهي لكم في الآخرة(29). وقد تكون مكروهة: إن دخل في تصميم الإعلان شيء مكروه، مثل أن يظهر فيه رجل يأكل أو يشرب بيده اليسرى، فعن إياس بن الأكوع، أن أباه حدّثه: أن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال: كل بيمينك قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت ما منعه إلى الكِبْر قال: فما رفعها إلى فيه(30). وقد تكون مباحة: وهي الإعلانات التجارية التي تكون خالية من المحرمات والمكروهات وتحقق مصلحة للتاجر والمستهلك على أن تكون وفق الضوابط الشرعية. المبحث الرابع: الضوابط الشرعية للإعلانات التجارية تبين لنا مما سبق أن الشريعة الإسلامية قد نصت على مشروعية الإعلانات التجارية، ولكن هذه المشروعية منضبطة بمجموعة ضوابط نستعرض أهمها بعد التعرض لحقيقة الضوابط في اللغة والاصطلاح. المطلب الأول: حقيقة الضوابط الشرعية: أولاً: الضوابط في اللغة: ضوابط جمع ضابط، وقد جاءت في اللغة بمعان متعددة، وهي: 1- الحفظ: نقول: ضبط الشيء، أي حفظه حفظاً بليغاً، ومنه قيل ضبطت البلاد وغيرها: إذا قمت بأمرها قياماً ليس فيه نقص(31). 2- اللزوم: ضبط الشيء، أي: لزمه لزوماً شديداً(32). 3- الحزم: ضبط الشيء، أي: حفظه بالحزم، ورجل ضابط: أي حازم(33). الضوابط في الاصطلاح: لقد تنوعت عبارات العلماء في ذلك، ولكن من أقرب تلك المصطلحات لما نريد، أنها: "قضية كلية تنطبق على جزئياتها التي هي من باب واحدة" ويمكن أن يقال الضابط هو: " كل ما يحصر جزئيات أمر معين"(34). المطلب الثاني: الضوابط الشرعية للإعلانات التجارية: عرفنا مما سبق أن الإعلانات التجارية مشروعة بأدلة مختلفة من الكتاب والسنة وغيرها، ولكن لا تكون هذه المشروعية على إطلاقها، بل لا بد لمن يعمل في مجال تصميم الإعلانات التجارية أن يراعي بعض الضوابط متمثلة فيما هو تالٍ: 1- الصدق: طالبت الشريعة الإسلامية المسلم بأن يكون صادقاً في كل أقواله وأفعاله، وقد جاءت الأدلة الكثيرة حاثة على الصدق، ولكن سنقتصر هنا على بعضها في مجال المعاملات التجارية. عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التاج الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء"(35). ولعل هذه المرتبة العالية التي وصل إليها التاجر الصدوق، لما في التجارة من مغريات كثيرة تجعل الأغلب منهم يخرج عن دائرة الأمانة والصدق، فتركها _ أي المغريات _ وسعى لأن ينال الدرجات العليا، ومن هذا يفهم أن صفة الصدق هي صفة أصلية في التاجر، ومصمم الإعلانات هو تبع للتاجر فلا بد وأن يلتزم بهذه الصفة كذلك. وعن إسماعيل بن عُبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: "يا معشر التجار، فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال: إن التجار يُبعثون يوم القيامة فُجَّاراً إلا مَن اتقى الله وبَرَّ وصَدَق"(36). وعن حكيم بن حِزام رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال: حتى يتفرقا فإن صَدَقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا، مُحِقت بركة بيعهما"(37). إذاً من صفات التاجر، أو من الصفات التي لا بد أن تتوافر في التاجر الصدق والبيان، لتتحقق بذلك البركة وكثرة الرزق، وقد بين هذه المعاني الإمام الغزالي فقال: "إن من واجب من يعرض سلعة ما، أن يظهر جميع عيوب المبيع: خفيها وجليلها، ولا يكتم منها شيئاً، فإن أخفاه؛ كان ظالماً غاشاً والغش حرام، وكان تاركاً للنصح في المعاملة والنصح واجب، وليس أدل على ذلك ما جاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على صُبْرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابَتْه السماء يا رسول الله قال: أفلا جعلْتَه فوق الطعام كي يراه الناس مَن غَشَّ فليس منِّي"(38). ويدل على وجوب النصح بإظهار العيوب ما روي عن زياد بن عِلاقة سمع جرير بن عبد الله يقول: بايعتُ النبي صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم(39). فكان جرير إذا قام إلى السلعة يبيعها؛ بصَّر عيوبها ثم خيَّره وقال: إن شئت فخذ وإن شئت فاترك، فقيل له: إنك إذا فعلت مثل هذا لم ينفذ لك بيع، فقال: إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم(40). ولم يقف الحد إلى هنا من البيان من التاجر، بل كان على كل من علم بذلك العيب أن يبينه ويظهره ولو كان من غير المتعاقدين، فقد جاء عن يزيد بن أبي مالك قال: حدثنا أبو سباع قال: اشترتُ ناقةً من دار واثلة بن الأسقع فلما خرَجْتُ بها أدركَنا واثلة وهو يجُرّ رداءه فقال: يا عبد الله اشتريتَ قلتُ: نعم قال: هل بيَّن لك ما فيها؟ قلت: وما فيها؟ قال: إنها لسمينة ظاهرة الصحة قال: فقال أردتَ بها سَفَراً؟ أم أردتً بها لحماً؟ قلت: بل أردت عليها الحج قال: إن بخُفِّها نَقْباً قال: فقال صاحبها أصلحك الله أي هذا تفسد عليَّ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يحل لأحد يبيع شيئاً إلا يبين ما فيه ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا يبينه"(41). وقد تحدث العلماء في هذه المسألة بالقول: بأنه إذا حصل البيع وقبض المشتري المبيع ولم يذكر العيب، ثم علم به بعد ذلك؛ كان البيع صحيحاً، وكان للمشتري حق الخيار، بين أن يرضى بالمبيع على ما فيه من عيوب أو يرده للتاجر فيفسخ البيع ويسترد بذلك الثمن، طالما أنه لم يكن على علم بهذا العيب لا عند العقد ولا عند القبض(42). وذلك للحديث الذي روت السيدة عائشة رضي الله عنها: أن رجلاً ابتاع غلاماً فاستغله ثم وجد أو رأى به عيباً فردّه بالعيب فقال البائع: عَلّة عبدي(43) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الغلة بالضمان"(44)(45). ومما سبق يتبين أن الآمر بتصميم الإعلانات التجارية لا بد وأن يكون صادقاً في عرضه لذلك الإعلان؛ كي لا يقع فيما نهت عنه الأحاديث السابقة، ولكن نقول: إن كثيراً مما يقع فيه مصممو الإعلانات التجارية هو ليس عدم الصدق فقط، بل المبالغة عند عرض تلك الإعلانات. مثال: يتم عرض إحدى منظفات أواني الطبخ وقد استخدم قطرة واحدة من ذلك السائل المنظف لينظف فيها كميات كبيرة من الأواني وذلك من المبالغات التي تحدث في تلك الإعلانات ومما يكون مخالفاً للواقع. ومثال آخر: عند عرض نوع من منظفات الشعر (الشامبو) يذكر بأنه مزيل للقشرة وعند الاستعمال يكون على خلاف ذلك، فيقع بذلك التاجر ومصمم الإعلان فيما نهت عنه الشريعة الإسلامية. 2- عدم الإعلان عن المحرمات جاءت الشريعة الإسلامية المطهرة بكل ما فيه مصلحة وخير، كما نهت وحرمت كل ما فيه مضرة لهم، والإعلانات التجارية كما فيها المصلحة من جانب قد يساء استخدامها بالإعلان عن المحرمات، وقد نصت الشريعة الإسلامية على حرمة الإعلان عن المحرمات بجملة أدلة منها: * قول الله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}(46). أحل الله تعالى كل طيب؛ لنفعه، كما حرم كل خبيث؛ لضرره، وكل ما يوصل إلى الخبيث فهو خبيث فالإعلانات هي وسيلة ترويجية لسلع مختلفة، فإن اشتملت على محرمات اعتبرت بذلك مروجة لما هو محرم. * قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(47). نهى الله تعالى أن نتعاون فيما فيه إثم وعدوان، وإن تصميم الإعلانات التجارية بما يشتمل على ما حرم الله تعالى فيه تعاون على الإثم والعدوان. ومن صور الإعلان عن المحرمات: - حرمة تصميم إعلانات فيها ترويج للخمور والدخان أو تشتمل على هذه الأمور أو غيرها من الأمور المحرمة. - حرمة تصميم وترويج إعلانات لبنوك تتعامل معاملات ربوية. - الحفلات الموسيقية الماجنة، وتصميم بطاقات فيها دعوة لتلك الحفلات. - التصميم والإعلان عن المواقع الإباحية والمحرمة على (الإنترنت)، أو الإعلان عبر تلك المواقع. - هناك شركات ومتاجر تتعامل بمعاملات مخالفة للشريعة الإسلامية، فينبغي عدم مساعدتها على ما هي فيه بالإعلان لها وتصميم الإعلانات المروجة لبضاعتها. 3- ألا يكون في الإعلان ما يثير الغرائز والشهوات: أمرت الشريعة الإسلامية: بالفضيلة والعفاف وحسن الخلق، فلقد مُدح أطهر الخَلق محمد صلى الله عليه وسلم في كتاب الله تعالى؛ لأخلاقه، حيث قال الله تعالى فيه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(48). ومن الأخلاق التي دعا إليها الإسلام: عدم الخلوة والاختلاط بين الجنسين أو كشف العورات وإظهار المفاتن أو الخضوع في القول أو فعل ما من شأنه أن يثير الغرائز والشهوات، وذلك كله أجمع لما فيه من مفاسد وإشاعة للفاحشة وتدمير للمجتمعات وأخلاقها. وإن المتطلع إلى وسائل الإعلانات الحديثة سواء أكانت المرئية أم المسموعة أم المقروءة يرى فيها مدى الانحطاط والفجور، كونها لا تخلو في الغالب من استغلال لجسد المرأة استغلالاً سلبياً للترويج للبضائع المختلفة، وقد ارتقت الشريعة بالإنسان ارتقاء فاضلاً سواء أكان مسلماً أم كافراً، ذكراً أم أنثى. وذلك بالتكريم لهم حيث قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}(49). إن استغلال جسد المرأة في الإعلانات التجارية المختلفة من شأنه أن ينزل بها من تلك المرتبة التي وضعها فيها الإسلام من التشريف والتكريم، وكان المصمم لذلك الإعلان يفضل ذلك المنتج المُعلن عنه على المرأة، كونه استخدم المرأة كوسيلة من أجل تحقيق هدف من الأهداف ألا وهو الترويج لتلك السلعة. فترى من يأمر بتصميم الإعلانات إذا أراد أن يعلن عن (الملبوسات) كان المرتكز على المرأة بإظهار مفاتنها وزينتها، وإذا أراد أن يعلن عن (البراهم وشامبو الشعر) تجد ميدان الإعلان مليئاً بالكاسيات العاريات، وإن نظرت للذهب للعطور أو المشروبات الغازية حتى الأحذية وجدت نفس الصورة، وكأنه لا يمكن لأي تاجر أن ينفق أي سلعة له إلا من خلال إظهار المفاتن!. وإن هذه الصور لهي صورة غريبة عن المجتمعات العربية والإسلامية والتي اشتهرت على مدار العصور والقرون بالحشمة فكانت من العادات والتقاليد الأصلية في هذه المجتمعات العفة وحسن الخلق. وكما أن هذا الفعل من شأنه أن ينقص من كرامة المرأة أو الإنسان، كذلك من شأنه أن يشيع الفاحشة في المجتمع المسلم قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(50). وإن الخضوع في القول من شأنه أن يثير الغرائز والشهوات فما بالك في التبرج والسفور؟! قال الله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى...}(51). وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}(52). 4- ألا يكون في إعلانه ذم لسلع الآخرين وخدماتهم: إن من الأخلاق التي دعا إليها الإسلام وشجع على إيجادها الإيثار، قال الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(53). فتقديم الغير على النفس هو من الأشياء المحمودة والمراتب العليا، والتي لا بد وأن يسعى إليها الإنسان. كما شجعت الشريعة على: الترابط والتكافل وحب الخير للآخرين كما نحبه لأنفسنا فعن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو قال بجاره ما يحب لنفسه"(54). فمن هذا يتبين: أن الشريعة جاءت بالحب والإيثار؛ لما يترتب عليهما من الترابط والتلاحم بين أفراد المجتمع الواحد. إن التنافس في الشريعة الإسلامية هو شيء محمود وغير مذموم، ولكن هذا التنافس لا بد وأن يكون وفق منظومة صحيحة مستمدة من الشريعة الإسلامية. ولكن من ينظر إلى وسائل الإعلان المختلفة يرى: أن كثيراً من تلك الإعلانات قد خرج عن هذا الخلق، فلا يكاد التاجر يعرض بضاعته حتى ينعتها بمواصفات يبين من خلالها بأنها الأحسن أو الأفضل أو الأقوى. فمثلاً: إذا عرض لمسحوق غسيل أظهر مسحوقين، مسحوقه وآخر؛ ليظهر أن مسحوقه هو الأقوى، ينظف وبأقل التكاليف، في حين يظهر الآخر بأنه مع استخدامه إلا أن البقع قد بقيت كما هي، أو خفت شيئاً يسيراً، وذلك مما يتنافى مع ما ذكرناه من الإيثار، وحب الخير للآخرين. ونجد مثل هذه الأمثلة في: منظفات الجلي والشامبو ومنظفات الأرضيات والحمامات حتى في قاتل الصراصير والذباب وحتى في الأحذية كذلك... وهذا الأسلوب من أساليب عدم الإيثار وحب الخير للآخرين لذا فيه إضرار بالآخرين، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"(55). وكان الأولى لذلك التاجر أو المُعلِن عن تلك البضاعة أن يظهر ما في سلعته من محاسن دون إجراء مقارنة مع بضائع الآخرين؛ كي لا ينطبق عليه ما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَبِيع بعضكم على بيع أخيه"(55). 5- تجنب الإعلانات التي تتعارض وعقيدة الأمة الإسلامية: أرسل الله تعالى رسله وأنزل كتبه؛ لترسيخ العقيدة في نفوس المسلمين، وبذلك يكون كل ما من شأنه أن يؤثر على عقيدة المسلم لا يجوز نشره والإعلان عنه. مثل: الإعلان عن محاضرة تدعو إلى مخالفات شرعية أو شركيات، أو لقاءات شعرية فيها تعدي على: ديننا وقرآننا ومعتقداتنا، أو البرامج التي تبث أحياناً أو تنشر على صفحات الجرائد والمجلات وتتحدث عن الأبراج وما فيها من مخالفات شرعية واضحة، أو عمل إعلان لمنجمين وفتاحين وسحرة وغير ذلك. 6- أّلا تكون الإعلانات باهظة التكاليف: الناظر إلى واقع الإعلانات في عصرنا يجد أنها تخرج بأشكال وصور مختلفة، ويجد المتبصر والمتفحص فيها كم هي تكاليف تلك الإعلانات! والتي فيها نوع من الإسراف والتبذير.(وقد جاء الإسلام لينهانا عن ذلك فقال الله تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(57). وقال الله تعالى: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}(58). وقد يقول قائل صحيح أن التاجر ينفق على إعلان بضاعته لكنه يعوض ذلك بكمية البيع والربح، فنقول: إن التاجر اليوم يفعل ذلك ويدفع المال الطائل على الإعلانات وللأسف يكون ذلك المال على المستهلك وذلك بالزيادة في سعر المنتج؛ مما يزيد من الأعباء على كاهل المستهلك؛ لذلك كان من الواجب الاقتصاد في الإعلانات بما يحصل فيه التعريف بالسلعة دون أن يجر ذلك إلى رفع أسعارها. الخاتمة: تشتمل على أهم النتائج والتوصيات التي تم التوصل إليها: أولاً النتائج: توصل البحث إلى العديد من النتائج من أهمها: 1- الفقه الإسلامي كان له السبق في ضبط الأنشطة الإعلانية، وتبين ذلك من الأدلة التي سقناها في البحث. 2- حكم الإعلانات يأخذ حكم الوسائل المستخدمة في ذلك، فإن كانت الوسائل مشروعة؛ كانت الإعلانات مشروعة، وإن كانت الوسائل محرمة؛ كانت الإعلانات محرمة؛ وإن كان فيها شبهة؛ كان الحكم فيها فيه موضع الشبهة كذلك. 3- أصبحت الإعلانات التجارية في العصر الحديث من الأشياء التي لا يمكن أن يستغني عنها التاجر أو المشتري؛ لكثرة البضائع وتشابهها؛ لذا كان لا بد من التمييز بينها عن طريق عرض الإعلانات. 4- تتمثل ضوابط الإعلانات فيما يلي: الصدق، عدم الإعلان عن المحرمات، ألا يكون في الإعلان ما يثير الغرائز والشهوات، ألا يكون في الإعلان ذم لسلع الآخرين وخدماتهم، كما لا بد من تجنب الإعلانات التي تتعارض وعقيدة الأمة الإسلامية، وألا تكون الإعلانات باهظة التكاليف. ثانياً التوصيات: توصل البحث إلى العديد من التوصيات، من أهمها: 1- وضع قوانين وأنظمة منظمة للإعلانات التجارية وفق ضوابط شرعية محددة لا يمكن تجاوزها، حيث تظهر للعيان المخالفات الشرعية واضحة في الإعلانات المعروضة في الوسائل المختلفة. 2- من أكثر الوسائل المستخدمة في ترويج الإعلانات التجارية هو (المرأة)؛ لذا كان من اللازم إصدار قانون من شأنه أن يمنع ذلك. 3- ضرورة إيجاد بدائل للشركات الإعلانية المخالفة للشريعة، وذلك بإيجاد أو المساعدة على إيجاد شركات إعلانية إسلامية تلتزم بالضوابط الشرعية، أو تعيين مستشارين شرعيين في الشركات الإعلانية القائمة.
  • أهميّة " حلب " الإستراتيجية في المنطقة

    د. محمد نور حمدان عندما نتكلم عن حلب في التاريخ فإننا لا نتكلم عن المدينة المعهودة التي نعرفها اليوم فحلب قبل مائة سنة ليست هي حلب اليوم . فحلب التاريخ والحضارة والعراقة هي حلب ما قبل مائة سنة وقبل اتفاقية سايكس بيكو هي مدينة حلب وغازي عنتاب ومرعش وكلس واسكندرون فالشعب كان واحداًـ والآلام والآمال كانت مشتركة بين أبناء هذه المنطقة، ثم تم سلخ حلب عن هذه المناطق التي تعتبر عمقاً استراتيجياً لها فأصبحت كشخص قطع أطرافه يديه ورجليه فهو مشلول لا يستطيع الحركة . ويحدثنا التاريخ القريب عن حدود ولاية حلب في العهد العثماني وهي : ولاية حلب باعتبار ما يتبعها من المدن والقرى، يحدّها من جهة الجنوب لواء حماة من ولاية سورية التي مركز واليها مدينة دمشق الشام ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط، ثم ولاية أضنة . ومن الشمال ولاية سيواس . ومن الشرق ولاية ديار بكر فولاية حلب كان يحكمها من قبل الدولة العثمانية والٍ مركزه حلب، وتنفذ أوامره إلى متصرّفين اثنين وثلاثة عشر وكيلاً يعرف بالقائمقام . أما المتصرفان فمركز أحدهما مدينة الرّها وأوامره تنفذ إلى ثلاثة وكلاء، ومراكزهم: سروج وقلعة الروم والبيرة . ومركز المتصرف الثاني مرعش (وهي مدينة تركية اليوم) وأوامره تنفذ إلى أربعة وكلاء مركزهم: الزيتون والبستان وأندرين وبازارجق . وأما الثلاثة عشر وكيلا فتتبع لواء حلب ومراكزهم: قصبة إدلب وبيلان (قرب اسكندرون) ومنبج ومعرّة النعمان وعينتاب (مدينة تركية) وإسكندرونة (مدينة تركية) والباب وحارم وانطاكية (مدينة تركية) وجسر الشغور، وكلّز (كلس مدينة تركية) ودارة عزة وتعرف بقضاء جبل سمعان، والمركز الثالث عشر الرقة وكانت تابعة متصرفية الزور، ثم ألحقت بلواء حلب . لذلك عندما نتكلم عن حلب في التاريخ وأعمالها ومنجزاتها فإن حديثنا يشمل : مدينة حلب وريفها اليوم- مدينة كلس- مدينة عنتاب- مدينة مرعش- مدينة الاسكندرون . وكتب التاريخ مليئة بالنصوص التي تدل على وجود التلاحم والانسجام والتعايش بين هذه المناطق وأهلها والتشابه في العادات والتقاليد والأخلاق والتداخل بين الأسر والعائلات . إن حلب كانت باباً لغزو الروم وفتح البلاد وكانت الجيوش تجتمع فيها منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم تمهيداً لفتح القسطنطينية (استانبول) لذلك نجد الكثير من الأماكن التي ذكرت خلال الفتوحات والمعارك ك"دابق" ومرعش وطرسوس قرب مرسين حيث كانت هذه المدن ثغوراً تنطلق منها الجيوش . وعندما يتحدث المؤرخون عن حلب فإنهم يتحدثون عن مدينة عظيمة ويقارنوها بالمدن العظيمة كاستانبول والقاهرة فهي تأتي في المرتبة الثالثة بعد هذه المدن كحاضرة من حواضر العالم الإسلامي بل بسبب موقعها الاستراتيجي كان القادة يفضلونها على هذه المدن لأنها كانت باباً لفتح أوروبا، وثغراً مهماً من ثغور الإسلام حتى إن صلاح الدين الأيوبي كان يعتبرها طريقاً لفتح القدس فهذه المدينة لم تتميز بموقعها فحسب بل تميزت بغنى ثرواتها، واشتهرت بمهارة أهلها في التجارة والصناعة قديماً وحديثاً، واشتهرت بمعامل النسيج القديمة والحديثة حتى كانت مصدرة لدول كثيرة، وصناعة صابون الغار وتميزت به، وبمحالج القطن والفستق الحلبي. وعندما يزور السواح والمؤرخون مدينة حلب يستفيضون في مدحها حتى إن بعضهم شبهها بالمدن الإيطالية من حيث جمال بنائها وشوارعها ويعود ذلك إلى تربتها وحجارة الكلس المشهورة فيها، واشتهرت بأسواقها القديمة حتى إن أكبر الأسواق المسقوفة موجود في حلب (سوق المدينة) كسوق العطارين، وسوق النحاسين، وسوق الحدادين، واشتهرت بمسجدها الأموي الكبير وبقلعتها التي تعتبر أقدم قلعة موجودة في المدينة، واشتهرت بأبوابها كباب أنطاكية وباب الجنين وباب قنسرين وباب النصر وباب الحديد وباب المقام وباب النيرب . وقد نالت مدينة حلب لقب عاصمة الثقافة الإسلامية عام 2006م، وأصبحت من مواقع التراث العالمي في اليونسكو عام 1986م ومما ورد في مدح مدينة حلب : ورد في بغية الطلب في تاريخ حلب:"فأما جودة هواء حلب وصحة مناخها فذلك أمر مستفيض اعترف به الأغراب، وأخبر عنه السواح وفضّلها كثير منهم على هواء أكثر مشاهير البلاد العثمانية. وناهيك دليلا على ذلك نضارة وجوه أهلها، واعتدال أجسامهم ولطف ألوانهم وقلة العاهات والأمراض فيهم . وقال الدكتور فنديك في كتابه "المرآة الوضية في الكرة الأرضية": إن أهل حلب أجمل من جميع سكان البلاد العربية. وترى النساء مع هذه المحاسن البديعة على غاية من العفة والأدب والصيانة، والرضاء باليسير والقناعة بمعايشهن والقيام بخدمة أزواجهن وأولادهن ومنزلهن . ومن مزاياهم الحسنة تودّد أهلها إلى بعضهم، وتبادلهم الصداقة والمحبة وحسن التعامل والمعاشرة مع التزام الحشمة والأدب، وتناصرهم في الغربة ومزيد ألفتهم وحنينهم إلى بعضهم، وهم في إنفاق المال على أهلهم في حالة متوسطة بين الإسراف والتقتير وأما دينهم ومروءتهم فيكفيك بالاستدلال عليهما أن حلب مهما كثرت فيها أسباب الفساد أخيرا، فهي بذلك لم تزل دون بقية البلاد التي تضاهيها بالسعة والثروة. ولا يبعد عندي أن تكون هذه المدينة سميت بحلب أخذا من ملاءمة أخلاق أهلها . ومن حسن شمائل أهل حلب إقبالهم على أعمالهم وقناعتهم بالارتزاق من تجارتهم وقلة تهافتهم على وظائف الحكومة. والغالب عليهم حسن الخلق وسلامة الصدر من المكر والخديعة وصفاء الألوان وجودة الأفكار ودقة الأنظار، واستعمال الروية وترك العجلة والتهور فيما يبهم أمره وتجهل عاقبته عليهم .
  • طبقة "الأثرياء الجدد": مظاهر خدّاعة عززتها منصات التواصل الاجتماعي

    بقلم: نور علوان تصنع التقلبات الاقتصادية والسياسية بإيجابياتها وسلبياتها ظواهر اجتماعية مختلفة، وإحداها طبقة "الأثرياء الجدد" الذين وصفهم علم الاجتماع بالأشخاص الذين اغتنوا حديثًا وسمح لهم المال بشراء سلع وخدمات كانت مقتصرة فقط على الطبقة الثرية، وغالبًا ما يطلق عليهم مصطلح "محدثي النعمة" في المجتمعات العربية، وخاصةً لأولئك الذين يتباهون بممتلكاتهم . احتكر الأثرياء الجدد هذا الصيت دون عن غيرهم من الأثرياء القدامى أو أولئك الذين ورثوا قوتهم المالية عن أجدادهم، لأنهم غالبًا ما يستغلون الممتلكات المادية لإظهار قوتهم وهيبتهم الاجتماعية بشكل مفرط ومبتذل غير ملتزمين بالمعايير الاجتماعية المرتبطة بالطبقة العليا، ما يجعل سلوكياتهم محطًا للانتقادات والتعليقات السلبية . وقد وصف أحدهم هذه الفئة "بالرجال الذي يعرفون سعر كل شئ ولا يدركون قيمة شيء"، فغالبًا ما يلجأ هؤلاء إلى إخبار الجميع عن المبالغ التي أنفقوها من أجل شراء سلعة أو يرتدون ملابس من علامات تجارية باهظة الثمن أو يقودون سيارات فارهة لجذب الأنظار على العكس من الثري القديم الذي يعتبرها وسيلة للتنقل لا أكثر، فكل ما يهم الثري الحديث هو تقليد الأشخاص المحيطين به لدمج نفسه في هذا العالم والتأكيد على مكانته الاجتماعية وإمكانياته المادية، وعلى الرغم من أنه قد ينفق أكثر بكثير من قدرته المالية الحقيقية إلا أن بطاقات الائتمان والقروض ومنصات التواصل الاجتماعي سهلت الحركات الاستعراضية عليهم . كيف ساعدت التكنولوجيا على تفشي هذه الطبقة؟ يرى علماء النفس أن شاشات التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي استبدلت نوادي الأثرياء الرياضية بواجهاتها الرقمية لتعرض لهذه الفئة رموزًا معينة حول الثروة وبحسب دراسة لمجموعة استشارية حول مستقبل التسوق الرقمي، فإن معظم مستهلكي السلع الفاخرة سيكونون من جيل الألفية الذين يعتمدون على الإنترنت في جميع استخداماتهم، إلى جانب اتجاههم نحو "الاستمتاع" قصير المدى أكثر من "التملك" طويل الأجل، وهذا ما دلل به علماء الاقتصاد والنفس بالافتقار إلى المهارات المالية والحاجة لملء الفراغ الاجتماعي . كما يتفق معظم علماء النفس والمستشارين الماليين على أن الإفراط في الإنفاق والاستهلاك هو دليل على نقص المهارات المالية، فالكثير من الأغنياء الجدد يعتقدون أن بإمكانهم أن يفعلوا أكثر بكثير مما يمكنهم بالفعل، في محاولة منهم للانتقال إلى الطبقة الاجتماعية الجديدة، لكنهم لا يدركون أن سلوكياتهم ستدفعهم إلى طريق الديون والإفلاس، وبالتالي سيعودون إلى ما كانوا عليه من قبل . إضافة إلى ذلك، يرى علماء النفس أن شاشات التلفاز وشبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي استبدلت نوادي الأثرياء الرياضية بواجهاتها الرقمية لتعرض لهذه الفئة رموزًا معينة حول الثروة كالمنازل والسيارات والعطلات الصيفية، وهي ما تزيد المشكلة سوءًا لأن الفرد يرى ما يجب شراؤه طيلة الوقت فيتأثر بها وتزداد شهيته نحو الاستهلاك، كما صاحب هذا التطور الرقمي، غريزة جديدة في نشر هذا الثراء ومشاركته مع الأصدقاء والمتابعين على الإنترنت وذلك من خلال صور ومقاطع قصيرة تصور ساعات الرولكس والطائرات الخاصة واليخوت وحقائب اليد المصممة كدليل على امتيازاتهم الاجتماعية وصخب حياتهم . 90% من جيل الألفية يقولون أن وسائل الإعلام الاجتماعية تجبرهم على مقارنة ثروتهم أو أسلوب حياتهم بأقرانهم، ما يجعل 60% منهم يعبرون عن عدم اكتفائهم بما يملكون لكن الحقيقة تقول أن رضا وسعادة هؤلاء الأشخاص لا تأتي من هذه الممتلكات وإنما من معرفة الآخرين لوضعهم الاجتماعي وأجواء حياتهم "الاستثنائية" والمقتصرة على فئة معينة منهم، بحيث ينشرون عبارات مثل "لا يمكنك الجلوس معنا" وأخرى تعبر عن فراديتهم واختلافهم عن الأخرين . حيث وجدت دراسة أن 90% من جيل الألفية يقولون أن وسائل الإعلام الاجتماعية تجبرهم على مقارنة ثروتهم أو أسلوب حياتهم بأقرانهم، ما يجعل 60% منهم يعبّرون عن عدم اكتفائهم بما يملكون بسبب ما يرونه في وسائل الإعلام الاجتماعية، واعتبارًا لذلك قال 57% منهم أنهم أنفقوا أموالًا لم يخططوا لإنفاقها، عدا عن ميلهم إلى التفاخر بتجاربهم وأغراضهم على منصات السوشيال ميديا كطريقة للمواكبة العصرية . وهنا لا بد من ذكر أن هذه المقارنة تُشعر المطلع بعدم الاكتفاء وتزعزع من قناعاته بنفسه، وتقلل من احترامه لذاته، وقد تجعله في أحيانٍ أخرى غير واثق في قدراته العملية لإنجاز مهمة ما، أو للوصول إلى هدف معين، بالرغم من أن هذه التصرفات قد لا تكون واقعية أو ملائمة لنمط الحياة الخاص به. أخيرًا، لا بد من ذكر أن مصطلح "الأثرياء الجدد" لم يعد ذات دلالة سلبية تمامًا، ففي بعض الأحيان يستخدم للإشارة إلى الإنجاز الشخصي والعصامي، وخاصةً لو كان خالٍ من السلوكيات الاستعراضية .
  • أوقف الشمس أولاً..!!

    بقلم: علي صالح طمبل في ماليزيا لا يُقدَّم لك في مكان العمل شاي ولا قهوة؛ حفاظاً على وقت العمل، وما بلغت ماليزيا ما بلغت إلا حين أعلت من قيمة الوقت، وشجعت على العمل الجاد الدؤوب من أجل نهضة البلاد. وأحد العلماء قديماً ناداه أحد المتبطلين قائلاً: توقف يا شيخ! فقال له العالم: أوقف الشمس أولاً! * وأذكر أن طبيباً أخبرني بأنه قال في جمع من الأطباء الأجانب وهو يشير مفاخراً إلى طبيب من بلاده: هذا الطبيب له مائتا بحث. فلم يُبدِ الأطباء اهتماماً أو تفاعلاً يذكر؛ مما أثار حيرته وجعله يشعر بالامتعاض لبرودهم وقلة اكتراثهم! ولم يدرك السر إلا حين سافر إلى ماليزيا، حيث أشاروا له إلى طبيب له من البحوث ثلاثة آلاف بحث! حينها أدرك كيف يمكن أن يصنع الاستثمار الأمثل للوقت الفارق، وكيف يمكن أن يحقق المستحيل! ** وإذا قارنا بين الوقت في ماليزيا وبلادنا، لرأينا العجب، فالوقت أرخص شيء عندنا إلا من رحم الله وإهداره فيما لا طائل من ورائه من أيسر الأمور، حتى شاع بيينا مصطلح (كسِّير الوقت)؛ أي تضييعه، ولا أدل على ذلك مما نراه من تسكع وإهدار للوقت في الطرقات، وفي الشوارع، وأمام (ستات الشاي)، وأمام شاشات الجوالات والقنوات الفضائية، وفي المقابل تضييع وقت العمل الذي نحاسب عليه ونتقاضى أجراً من ورائه؛ وبالتالي تضييع حقوق العباد ومصالح البلاد. وكما قال القائل: الوقتُ أنفسُ ما عنيت بحفظهِ وأراه أكثر ما عليك يضيعُ الوقت هو رأس مالنا الحقيقي، وسنسأل عنه بين يدي الله تعالى يوم القيامة، والعمر هو الوحيد الذي إذا زاد نقص؛ فعلينا أن نوظِّفه كما ينبغي، وأن نستغل كل ثانية منه في طاعة الله ونفع الناس؛ لأن ما مضى منه لن يعود أبداً، ولن يفلح أحد في إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء. وكما في الحديث: (لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه).
  • 10 صفات لكي تكون مديراً عظيماً

    لكي يكون الشخص مديرا جيدا ورائعاً، يجب أن تتوافر فيه 10 خصائص وصفات تميّزه عن غيره من المديرين في أي مؤسسة، كبيرة كانت أو صغيرة . إن الخصائص أو المزايا العشرة التي ينبغي أن تتوافر في المدير تتمثل في أن يكون المدرب جيدا، إذ أن المدير الرائع ليس بالضرورة مؤديا جيدا، بل هو من يستثمر الوقت والطاقة في تدريب الآخرين، ويشاركهم خبراته . ومن الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المدير، عدم التحكم بكل شيء في إدارته وتفويض فريق العمل وتمكينه، فالإدارة التفصيلية التي تتحكم بكل شيء تعد أكبر أخطاء الإدارة وتدل على ضعف المدير . كذلك ينبغي على المدير الجيد أن يمنح فريقه المساحة الكافية والحرية اللازمة وأن يكون مرنا، ففي بعض الأحيان كل ما يحتاجه هو عدم الوقوف في طريق فريق العمل، فلا أحد يحب المدير المتحكم بكل مفاصل العمل . والمدير الجيد، هو ذلك المدير الذي يخلق بيئة عمل جماعية حريصة على النجاح، ويقدر فريقه ويجعله جزءا من رسالة المؤسسة، ويخلق البيئة التي تتيح لأعضاء فريق العمل طرح الأسئلة، ويجرب بنفسه ويقترح أفكارا جديدة . من الصفات أيضا، أن يكون منتجا ويتوق للحصول على النتائج، ولكن ذلك يتطلب خلق ثقافة يزدهر فيها الجميع للوصول إلى النتائج المرجوة، ومن هنا على المدير أن يظهر لفريقه كيفية تحقيق النتائج المرجوة، وألا يضع الأهداف فقط ثم يتوقع النتائج . ثمة صفة مهمة يجب أن تتوافر في المدير أيضا، وهي قدرته على التواصل الجيد والاستماع ومشاركة المعلومات، ذلك أن كثيرا من المديرين يفشلون لأنهم لا يستطيعون التواصل . يشار إلى أن الاتصال والتواصل لا يتم من أعلى الهرم إلى القاعدة، أو باتجاه واحد . وبالإضافة إلى ذلك، يجب على المدير الجيد أن يدعم التطور الوظيفي ويناقش الأداء، فلا ينبغي عليه أن يركز على ما يمكن لفريقه القيام به لأجله، بل على ما يمكنه القيام به بالنسبة لهم، وكيف يمكنه العمل معهم لتطوير الأهداف ورسالة المؤسسة . ومن المهم أيضا أن تتوافر لدى المدير الجيد رؤية واستراتيجية واضحة لفريق العمل، فمن دون ذلك لا يمكنه النجاح . ومن المواصفات كذلك، أن تكون لديه مهارات فنية أساسية لتقديم المساعدة لفريق العمل، وأن يكون متعاونا مع نظرائه داخل المؤسسة، ويتبادل الخبرات والمهارات معهم، فكلما تقاسم المديرون الخبرات والمهارات نهضت المؤسسة أكثر وأكثر، والتعاون يقود إلى القوة . والصفة المهمة والضرورية أيضا هي أن يكون صانع قرار جيدا، إذ يمكن للمدير أن يقضي طوال وقته في التحليل ووضع الاستراتيجيات والتحقق من السيناريوهات المختلفة، لكن المهم هو الفعل .
  • العلم أفيون الشعوب

    منذر الأسعد أعلم مسبقاً- أن هذا العنوان سيستفز بعض الناس، وخاصة أولئك الذين يتعجلون من جماعة القول الشائع: المكتوب يتضح من عنوانه. وهو قول لا يصح تعميمه. وأقل اتهام قد يوجهونه إليَّ، هو أن عنوان المقال مستوحى من مقولة كارل ماركس الشهيرة: "الدين أفيون الشعوب"! وسوف يحاكمني هؤلاء على أنني مقتنع بجملة ماركس التي أطلقها ليبرر بها عداءه الشديد للدين، رغم أن مقولته ستكون صحيحة لو حصرها في الـمِلَل التي جرى تحريفها، وفي توظيف الدين لخدمة أغراض دنيوية لفائدة طبقات متنفذة أو سلطات مستبدة... التهويل والترهيب قال أحد المهووسين بالعلم الحديث لصاحبه: العلم لا يخطئ فألقمه الرجل بجواب صاعق حيث قال: العلم لا يخطئ لكن العلماء يخطئون! *** هذه الحكمة تلخص حالة التضليل المنتشرة عالمياً؛ لكن نصيب البلاد العربية والمسلمة منها أكبر كثيراً لأنها متعمدة وتقوم على تأجيجها جهات أجنبية ومحلية، بعضها معلَنة وأخرى خفية! ففي الدول المتقدمة تجد قلة من المنتسبين إلى الحقل العلمي، ذات طبيعة عُصابية، تريد فرض قناعاتها الذاتية على الآخرين باسم العلم؛ لكنها لا تلقى استجابة واسعة بحكم صرامة القواعد التي يخضع لها البحث العلمي هناك. هذا بالرغم من أن في تلك البلدان جيوباً في المقابل- متناثرة وضئيلة الحجم والتأثير، تعيش مع أوهامها المناوئة للعلم وحقائقه المؤكدة مثل كروية الأرض ودورانها وقانون جاذبية الأجسام وغزو الفضاء. أما في ديار العرب والمسلمين فإن مصطلح "العلم" يجري استخدامه مزاجياً لفرض ضلالات على طريقة الأحزاب الشمولية، التي تقهر المجتمع على الخضوع لقوالبها مسبقة الصنع، وكل من يخالفها خائن وعميل للأعداء! وكل ما يعرفه هؤلاء من العلم المزعوم أنه ينسب أصلهم إلى القرود وأنه يبيح لهم الزواج من الحيوانات وسائر الانحرافات الشائنة في العلاقات الجنسية. وهنا يتذكر المرء مقولة الفيلسوف البريطاني الشهير برتراند راسل: "مشكلة العالَـم أن الأغبياء واثقون بأنفسهم أشد الثقة دائماً، أما الحكماء فتملؤهم الشكوك..". اللعب بالأركان! كل من اطلع على أبجديات مناهج البحث العلمي، يعرف أن هنالك فروقاً دقيقة حاسمة بين مراحل: الفرّضية ثم النظرية ثم قبول أهل الاختصاص لتلك النظرية مبدئياً كمساحة للمناقشة الموضوعية.. فإذا استقرت القناعة لدى المجتمع العلمي بصواب النظرية وتماسكها ونهضت الأدلة اليقينية على سلامتها، تصبح حقيقة علمية لا مجال للتشكيك فيها. أما أشياع الدين الوضعي الجديد، فيتعاملون مع العلم بمنطق انتقائي فج؛ فما وافق أهواءهم يعلنونه حقيقة علمية قطعية مع أنه لم يتجاوز عتبة الفرضية أو النظرية في أحسن الاحتمالات- ؛ والذي لا يروق لهم ينسفونه ويسفهونه ولو كان حقيقة علمية راسخة، أو نظرية قوية تحظى بتأييد أكثرية أعضاء المجتمع العلمي في حقل تخصصها. نماذج واسعة الانتشار يستطيع المراقب المنصف أن يعثر على شواهد يومية لهذه الظاهرة السيئة، وخاصة عند المتعصبين لأساطير الداروينية والذين يفترون على العلم أنه يعيد كل الشذوذ الأخلاقي في العلاقات الجنسية إلى أسباب وراثية "جينية" لا إرادية. وأقل ما يقال في هذه المسائل: إنها موضع جدل في المجتمع العلمي ولو كانت حقائق كما يدَّعي المتدينون بالدين الخرافي الجديد، لما وجدنا علماء بارزين يعارضونها استناداً إلى قناعات علمية وليست فكرية أو دينية أو ذاتية. وفي هذه العجالة، أكتفي بالإشارة إلى مقال تخصصي بديع كتبه الدكتور أشرف قطب (الباحث في جامعة Leicester) يبيِّن فيه خداع واحد من أدعياء العلم لجمهور الناس، وخلاصة المقال مع تنحية جوانبه الدقيقة التي لا يستوعبها القارئ غير المتخصص- أن المخادع تكلم عن حفرية "الأركيوبتركس" على أنها (الحلقة الوسيطة) بين الزواحف ممثلة في الديناصورات وبين الطيور، وادعى أنها محل (إجماع علمي) في حين أن الحقيقة عكس ذلك تماماً! فالأركيوبتركس-وهو كائن يقدر عمره بحوالي 140 مليون سنة- أول ما تم اكتشافه كانت معظم حفرياته ناقصة، وافترض التطوريون وقتها أنه يمثل شكلاً انتقالياً بين الزواحف والطيور لأن عظمة الصدر كانت مفقودة من الحفريات الأولية للكائن، فافترضوا أنها غائبة، وبنوا عليهاأنه شكل انتقالي! لكنهم في الحفرية السابعة للأركيوبتركس المكتشفة سنة 1992 عثروا على عظمة القص موجودة وكاملة مثلما لدى الطيور الحالية تماماً. وبعد تفصيلات علمية عميقة موثقة، ينتهي الدكتور قطب إلى سؤال حيوي هو: هل هناك اعتراضات من "المجتمع العلمي" على موضوع تطور الطيور من الديناصورات بأكمله؟! ويجيب: طبعاً، مثل كل فرضية علمية لها مؤيدون ومعارضون! ثم يورد الرجل حشداً من أسماء المعترضين وخلاصة لأبحاثهم التي شيدوا مواقفهم عليها. 0مشاركة
  • !...فيسبوك أكثر من شبكة تواصل… حقائق لم تسمع بها من قبل

    دينا راغب قامت الحكومة الأمريكية بإنشاء منظومة استخباراتية وأطلقت عليها عين النسر Eagle Eye ، هدفها التجسس الإلكتروني على السكان لتوثيق وتسجيل كل نشاطاتهم سواءً كانت: في الشارع أو في البيت أو في العمل، ليس هذا فحسب بل أيضًا تعرف تلك المنظومة أسماء جميع السكان وحالتهم النفسية وتتوقع تتطور تلك الحالة وتبعاتها، كما أنها تُراقِب كل شيء يفعلونه على الإنترنت بداية من المواقع المدونات التي يتصفحونها ورسائلهم الخاصة، وعلاقاتهم الاجتماعية، وحتى أماكن تواجدهم هذه كانت فكرة أحد الأفلام والتي تُصنف كخيال علمي، ما رأيك إذا تحول هذا الخيال العلمي إلى حقيقة وتم بالفعل صناعة تلك الآلة؟! لا تتعجب بالفعل هذه الآلة موجودة وأنت من تعطيها المعلومات والتوثيقات طواعيةً منك وخيارًا! إنهفيسبوك الذي تعدى كونه مجرد شبكة تواصل . دعونا نستعرض بعض الحقائق الصادمّة حول فيسبوك والتي لا يعرفها الكثيرون، فيتعاملون مع تلك المنظومة على أنها مجرد شبكة تواصل : 1- أنت تعمل لصالح فيسبوك ولكن دون مقابل مادي : تصور أن شركة من مزودي خدمة الاتصالات عرضت عليك عدد مفتوح من الدقائق المجانية، وقالت لك تكلم كيفما تشاء وفي أي وقت تشاء، هل سترفض ذلك العرض؟ بالطبع لن ترفضه فأنت ترى أنك تؤدي اتصالاتك بدون أن تدفع مقابل هذا صحيح ولكن دعنا ننظر للأمر من زاوية أخرى: هل تعلم أن تلك الشركة أرادت أن تختبر قوة الشبكة في كل المناطق التي تغطيها تلك الشبكة، على مدار الساعة، وأن تخصيص أفراد أو معدات لعمل تلك المهمة كان سيُكلف الشركة أموالًا طائلة أضعاف تلك الدقائق التي أخذتها أنت؟ هل تعلم أن الشركة كانت بحاجة لمن يختبر الشبكة ويبدي رأيه فيها وحبذا لو كان ذلك الشخص من المنطقة التي يريدون اختبارها؟ الآن ترى أن الشروط التي وضعوها وكأنها وضعت على مقاسك، فكم تستحق أن تتقاضى مقابل ذلك العمل؟ هذا تمامًا ما يفعله فيسبوك فنحن مثلًا حين نقوم بزيارة مطعم وإبداء رأينا فيه، فنحن بذلك نقدم للفيسبوك خدمة مجانية يستطيع هو أن يبيعها لأصحاب المطاعم الأخرى لتقييم عملهم وخطتهم، وكذلك الأمر مع تلك التحديثات الجديدة فهي مجرد أداة لتحديد اتجاهاتنا بشكل أكثر دقة . لذلك ففيسبوك يجني المال من خلال بيع معلوماتنا الشخصية لمن يدفع أكثر 2- في فيسبوك أنت سلعة ولست مستخدم نحن نقضي الكثير من الوقت في تصفح تلك الشبكة الاجتماعية المجانيةولا ندفع لها مقابل ذلك التصفح، إذًا كيف حصلت شركة فيسبوك على أرباح بقييمة 17,928 بليون دولار في 2015؟ الأمر بسيط جدًا فهناك بديهية قديمة تقول : إذا لم تكن تدفع؛ إذًا فأنت المُنتَج ونحن بالفعل لا ندفع للفيسبوك لأننا السلع أو المنتجات التي يجني منها أرباحه، حيث أن المستخدم الحقيقي هو من يدفع مقابل خدمة تُقدم إليه، لذلك فالمستخدمون هم الجهات التي تدفع للشركة مقابل تلك السلعة-معلوماتنا-لتحقق فيسبوك تلك الأرباح . 3- فيسبوك معفي من أي ضرر يحدث لك من خلال استخدام معلوماتك شروط الخدمة في فيسبوك في النقطة الخامسة عشر وفي الفقرة الثالثة جاء فيها : إننا نوفر فيسبوك كما هو من دون أي ضمانات صريحة أو ضمنية لا نضمن أن يبقى فيسبوك أمنًا أو خاليًا من أي خطأ أو أن يعمل من دون تعرّضه لمعوّقات أو فترات تأخير أو شوائب. ليس فيسبوك مسؤولاً عن الإجراءات أو المحتوى أو المعلومات أو البيانات التي تخص أطراف ثالثة، وأنت تبرئ ذمتنا وذمة أعضاء مجلس الإدارة والمسؤولين والموظفين والوكلاء لدينا، من أي مطالبات وأضرار، سواءٌ كانت معروفة أم مجهولة، تنشأ عن أي مطالبة ترفعها ضد أي من هذه الأطراف الثالثة أو تكون ذات صلة بها بأي طريقة . وكما هو واضح ففيسبوك يخلي مسؤوليته تمامًا من أية أضرار قد تتعرض لها نتيجة سوء استخدام معلوماتك، وبالتالي لا نستطيع مقاضاته مقابل أي ضرر ينتج عن استخدام تلك البيانات . 4- فيسبوك لا يكتفي بتسجيل معلوماتك بل يقوم بتحليلها يقوم فيسبوك من خلال خوارزميات متقدمة بتحليل كل البيانات التي تُدخلها إليه وكذلك التي يحصل عليها بطرق أخرى، مما يتيح معرفة كافة تفاصيل حياتك وتوقع ردود أفعالك وهو ما جاء في سياسة البيانات في فيسبوك تحت عنوانكيف نستخدم هذه المعلومات؟ : 5- الارتباط بين فيسبوك ومراكز الاستخبارات فجَّر إدوارد سنودن مفاجأة حين أظهروثائق تدين الحكومة الأمريكية ووكالة الأمن القومي NSAووكالة الاستخبارات البريطانية GCHQ في مشاريع تجسس إلكترونية أهمها مشروع نظام المراقبة الشاملة XKeyScore الذي يسجل كامل نشاطاتنا على الإنترنت كمايجمع كل ما هو مُتاح من معلومات عنا عبر الشبكة العنكبوتية وخصوصًا موقع التواصل فيس بوك: حيث يستطيع هذا النظام قراءة الرسائل الخاصة في صندوق الوارد في فيس بوك حتى إن قمت بحذف تلك الرسائل، بالإضافة إلى بريدك الإلكتروني ورقم هاتفك كما يمكنها معرفة الـ IP address الخاص بأي جهاز تسجل منه الدخول إلى الشبكة، كما أوضح سنودن أن الخدمات الاستخباراتية تستطيع اختراق جهازك وليس مجرد تتبعه . الأمر المثير للقلق هو علاقة وكالة المخابرات المركزية CIA بفيسبوك، حيث كان جيم براير Jim Breyer مدير شركة ACCEL من أول المساهمين في تأسيس فيسبوك عن طريق شركته حيث ساهم ب 12.7 مليون دولار ، الأمر المهم ليس مساهمة الشركة في إنشاء فيسبوك، ولكنه مساهمة براير والمعروف بنشاطاته ومشاركته في العديد من مشاريع الأمن المعلوماتي بالتعاون مع ال CIA حيث يشارك براير في : شركة InQtel والتي أنشأتها ال CIA في عام 1999 لتُقدِّم الحلول التكنولوجية لدعم مهمّة وكالة المخابرات المركزية وباقي وحدات الاستخبارات الأميركية، وذلك طبقًا للتعريف الذي تنشره الشركة على موقعها . شركة BBN وهي شركة تابعة لـ INQTEL والتي يربط موظفيها علاقات بالـ CIA من ضمنهم جيم براير وأنتيا جونز Anita Jones ، كما ترتبط الشركة نفسها بمكتب المعلومات Information Awareness Officeوالذي تتلخص مهمته في جمع أكبر كمية من المعلومات عن الجميع داخل الولايات المتحدة بما في ذلك البريد الإلكتروني، والحسابات البنكية، والشبكات الاجتماعية، والسجلات الطبية، والمكالمات الهاتفية حيث يستخدم المكتب في تلك المهمة جميع المعلومات الموجودة عن الأشخاص في الشبكة العنكبوتية، وبالطبع فيسبوك كأكبر قاعدة بيانات لا يُستثنى من هذا الوضع . كما يمكنك الاطلاع على باقي المؤسسين لشركة فيسبوك 6- فيسبوك يملك كل شيء تضعه عليه، حتى لو حذفت حسابك كما هو في شروط الخدمة في النقطة الثانية: ففيسبوك له كامل الحق في استخدام كل ما تضعه عليه كما أنك تمنحهترخيصًا دوليًا غير حصري قابل للنقل والترخيص من الباطن وغير محفوظ الحقوق لاستخدام أي محتوى محمي تنشره . بالنسبة للمحتوى المحمي بحقوق الملكية الفكرية: إنك تمنحنا ترخيصًا دوليًا غير حصري قابل للنقل والترخيص من الباطن وغير محفوظ الحقوق لاستخدام أي محتوى محمي تنشره على فيسبوك أو له صلة بفيسبوك. ينتهي ترخيص المحتوى المحمي هذا عندما تحذف المحتوى المحمي الخاص بك أو عندما تحذف حسابك ما لم تكن قد تمّت مشاركة محتوى حسابك مع آخرين لم يقوموا بحذفه. عندما تحذف محتوى محمي، يتم ذلك بطريقة مشابهة لطريقة تفريغ سلة المحذوفات على جهاز كمبيوتر. ولكن، أنت تدرك أن المحتوى المُزال قد يبقى ضمن النسخ الاحتياطية لفترة زمنية معقولة (لكنه لن يكون متوفرًا للآخرين). 7- فيسبوك يتتبع نشاطك على الأنترنت وفي سياسة البيانات تحت عنوان ما هي أنواع المعلومات التي نجمعها؟ يذكر فيسبوك: أنه يجمع المعلومات عن طريق المواقع التي تستخدم خدمة فيسبوك-وما أكثرها- والتطبيقات التي نستخدمها، والشركات التابعة لفيسبوك كشركة واتس أب . 8- فيسبوك لا يحترم خصوصيتك بدايةً مارك-مؤسس فيسبوك-لا يعترف بالخصوصية في المعلومات ويرى أن كل المعلومات يجب أن تكون متاحة للجميع كما أن فيسبوك لديه الحق في معرفة معلومات حول عمليات الدفع التي تقوم بها، ورسائلك الخاصة، وأماكن تواجدك وعلاقاتك الشخصية، وموقعك الجغرافي، كما أنه يستطيع جمع معلومات من أجهزة الكمبيوتر أو الهواتف أو أي أجهزة يتم تثبيت خدمة فيسبوك عليها . وتبعًا لهذه الانتهاكات قامت الحكومة الألمانية بمقاضاة فيسبوك بس انتهاكه للخصوصية الشخصية هذه بعض من المعلومات التي لا نعرفها عن فيسبوك الشركة التي تمتلك أكبر قاعدة بيانات في العالم، كما أنها لا تمانع استخدام أي جهة كانت لتلك البيانات، سواءً كان هذا الاستخدام لأغراض التسويق والإدارة أو بهدف التجسس وجمع المعلومات، فمن يدفع أكثر يأخذ أكثر . وفي النهايةأمانك الرقمي والشخصي هو مسؤوليتك أنت، والمحافظة على معلوماتك لا يمكن لأحد غيرك أن يفعلها، كما أن فيسبوك لا يُنجم بل يقوم بمعرفة ما نشرته أنت عن نفسك،فحافظ على نشاطك ولا تنسى الإضافات التي تمنع التعقب والإعلانات .
  • الوظيفة والإبداع والعلاقة الغائبة

    علي صالح طمبل هل طرَح أحدُنا على نَفْسه هذا السؤال من قبل: هل هنالك ثَمَّة علاقة ملموسة في بلادنا بين الوظيفة والإبداع؟ الواقع يقول بأن الوظيفة بشكلها الحالي هي إحدى مثبِّطات الإبداع في بلادنا؛ فبمجرد أن يَلتحِق أحدُنا بوظيفة ما تبدأ مواهبُه وإبداعاته في التناقص، إلى أن يصبح أداؤه للعمل آليًّا وروتينيًّا، خاليًا من الإبداع والابتكار والتميز! إن الموظَّف يتوقَّع أن تُهيئ له الوظيفة مناخًا إبداعيًّا معافًى، وتعمل على تنمية خبراته، في سبيل تجويد الأداء وتحسينه، لكن المؤسف أن الموظَّف في بلادنا صار يُضرب به المَثَل في ضَعْف الأداء وبطئه، وإفراطه في البيروقراطية والروتين القاتل! ألم يتساءل أحدُنا: لماذا لا يستطيع كثيرٌ من الموظفين استثمار أوقاتهم في عملٍ مفيد حين يُحالون إلى التقاعد؟! لماذا لا يبدؤون حياةً عمليَّة جديدة في أي مضمار آخر؟! ولماذا نرى كثيرًا من هؤلاء المتقاعدين قد أصيبوا بالاكتئاب والضجر، عاجزين عن الانخراط في عمل آخر حتى يتوفَّاهم الله تعالى؟! إن الوظيفة الحقيقية هي التي تُعطي صاحبَها مهاراتٍ متعددة في القيادة، وإدارة الذات والآخرين، والتعاون معهم، ومقدرة على التفكير والابتكار، علاوة على خيارات متعدِّدة يُجابه بها مختلفَ الملابسات والظروف التي تُواجِهه في الحياة، بما في ذلك التقاعد، لا كما يحدث في واقعنا العملي من قَتْل لرُوح التميز واقتحام الجديد، بما تقوم عليه مؤسساتنا التقليدية من فرض للأوامر، وإقصاء للشورى، ووأدٍ لرُوح الفريق! فالوظيفة كما قال صاحبنا الساخر: تُعلِّم الجبن وتَقتُل روح المغامرة! إن الشواهد الواقعية تُومئ إلى تَراجُع الوظيفة في بلادنا في كثير من المؤسسات؛ وذلك نتيجة لتَراجُع أوضاع الموظفين المعيشية، وغياب المؤسسية والتخطيط! وإني لأتساءل: كيف لموظف أن يُبدِع وهو يُعطَى راتبًا زهيدًا لا يكاد يفي بمتطلباته الأساسية، وكيف له أن يَبتكِر وهو مشغول البال بتقسيم دخله المحدود، ودائب التفكير في همومه وأحلامه الصغيرة التي فرَضها واقعه المرير؟! لذلك لا أستَغرِب كثيرًا حين أجد موظفًا قد تحوَّل إلى آلة صمَّاء، وفقَد رُوحَ التفاعل مع الآخرين، حين تكالبت عليه الهمومُ، إلى أن يستوي عنده الفَرحُ والحزن! عفوًا! إنها ليست دعوة للإحباط والاستسلام للأمر الواقع، ولكنها مُناشدة للقائمين على الأمر في مؤسساتنا أن يُحافِظوا على رأس المال الحقيقي لمؤسساتهم، ألا وهو الموظف، بتهيئة مناخ ملائم للإبداع والابتكار، يَنقُله من التفكير في الأحلام الصغيرة والأهداف الحقيرة إلى السعي للطموحات السامية والأمور العِظام. وهي همسة أيضًا في أُذن الموظفين بأن يُحاوِلوا التغلبَ على الصِّعاب، ويُشعِلوا في نفوسهم الهممَ العالية التي لا تعرف اليأس والفتور والإحباط، مُستحضرين قِيَم الدين الحنيف من أن الله يحب الإتقان في العمل، وكتب الإحسانَ على كل شيء، وأن من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل.
  • لعلّ له عذراً وأنت تلوم

    د. محمود نديم نحاس قابلت مرة في أحد ممرات الكلية زميلي الأستاذ المسؤول عن التنسيق بين مختلف الشعب للمادة التي كنت أدرسها ، وقلت له : طلبتَ منا أن نعمل كذا وكذا ، وأنا أرى خلاف ذلك ، فهلاّ درسنا الموضوع في اجتماعنا القادم. فأجاب في هدوء شديد : لا بأس. فتركته وأنا منزعج من أسلوبه الجاف ، حيث غابت عن محياه بسمته المعهودة. ورحت أفكر : هل تراني أخطأت في شيء؟. وما إن وصلت إلى لوحة الإعلانات حتى قرأت رسالة نعي كتبها بعض الزملاء ينعون فيها وفاة أخيه! فهرولت إليه أعزيه وأعتذر عن الحديث معه في موضوع ليس ذا أولوية في تلك اللحظة. وكثيراً ما يتردد على مسامعنا قصة ستيفن كوفي ، الاسم المشهور في مجال التنمية البشرية ، وهو في قطار الأنفاق بمدينة نيويورك ، حيث كان الركاب جالسين في سكينة ، بعضهم يقرأ الصحف ، وبعضهم مستغرق بالتفكير ، وآخرون في حالة استرخاء , والجو مفعم بالهدوء. وفجأة صعد رجل بصحبة أطفاله الذين سرعان ما ملأ ضجيجهم عربة القطار. في حين جلس الرجل وأغلق عينيه غافلاً عن الموقف كله. يقول كوفي : لم أصدق أن يكون الرجل على هذا القدر من التبلد ، لا يفعل شيئاً وأولاده يزعجون الناس ، فالتفتُّ إليه وقلت : أطفالك يسببون إزعاجاً للناس! ففتح عينيه ، كما لو كان يعي الموقف لأول مرة وقال : إنك على حق! لقد قدمنا لتوِّنا من المستشفى حيث لفظت والدتهم أنفاسها الأخيرة ، وأنا عاجز عن التفكير ، وأظن أنهم لا يدرون كيف يواجهون الموقف! يقول كوفي : فجأة امتلأ قلبي بآلام الرجل وتدفقت مشاعر التعاطف والتراحم دون قيود وتغير كل شيء في لحظة. أما القصة التي وصلتني اليوم بالبريد الإلكتروني فتقول : دخل الطبيب الجراح المستشفى بعد أن تم استدعاؤه لإجراء عملية فورية لأحد المرضى ، وقبل أن يدخل غرفة العمليات واجهه والد المريض وصرخ في وجهه : لم التأخر؟ إن حياة ابني في خطر؟ أليس لديك إحساس ؟ فابتسم الطبيب ابتسامة فاترة وقال : أرجو أن تهدأ وتدعني أقوم بعملي ، وكن على ثقة أن ابنك في رعاية الله. فرد الأب : ما أبردك يا أخي! لو كانت حياة ابنك على المحك هل كنت ستهدأ؟ ما أسهل موعظة الآخرين؟. تركه الطبيب ودخل غرفة العمليات ، ثم خرج بعد ساعتين على عجل وقال لوالد المريض: لقد نجحت العملية ، والحمد لله ، وابنك بخير ، واعذرني فأنا على موعد آخر. ثم غادر دون أن يحاول سماع أي سؤال من والد المريض. ولما خرجت الممرضة سألها الأب: ما بال هذا الطبيب المغرور؟ فقالت: لقد توفي ولده في حادث سيارة ، ومع ذلك فقد لبى الاستدعاء عندما علم بالحالة الحرجة لولدك! وبعد أن أنقذ حياة ولدك كان عليه أن يسرع ليحضر دفن ولده !.
  • باكستان: رسالة “مريم” ابنة الأسيرة د.عافية صديقي”إلى مريم نواز شريف

    عزيزتي مريم : اُدعى مريم أيضا مثلك لكن أنا ابنة الأسيرة عافية صديقي وأنتِ ابنة رئيس وزراء باكستان ، أمي عافية صدّيقي التي اختُطفت وعمري ثلاث سنوات بعيدًا حيث سواد القلب والسجن ، هل تعرفين ما شعور شخص ما ظَل سنوات وسنوات في،زنزانة انفرادية دون أم؟ قمة الألم ،ليالي مُظلمة. كآبة . لكن الآن بنعمة الله وحده فتحت عيني على بصيص أمل مع عمتي وجدتي العزيزة، غيوم الحزن لا تزال تلوح في الأفق أكثر هل تتخيلين ذلك !! هل يمكنك تخَيٌل كون لكِ أُم لا تستطيعين رؤيتها؟ !!! أتعجبين أن أعيش ١٢ عام من الطفولة بدون حُضن أمي ! كيف سيكون شعورك ؟ ! فيما مضى من صفحات عمري بالمدرسة كانت الدروس،والندوات تتحدث عن الأم وكل صديقة لي تحكي عن أمها وحنانها لا أجد متسعًا للقهر إلا الدموع المنهمرة من عيناي وشعور بالإختناق لا أحد يهتم بدموعي .. هذه هي الرسالة الأولى التي أكتبها في حياتي أحاول عن كثب وصف وتعبير شعوري بأكبر قدر ممكن من الكلمات المبعثرة في أكبر وطن لليأس بلدي . خالتيتحاول اِسعادنا بمشاريع الفرح والمرح لقلوبنا دون جدوى فجدتي تموت كل يوم خاصة لاتظهر أمي أو تنقطع أخبارها داخل غياهب السجن كادت تفقد عقلها من كثرة الإنشغال والخوف على ابنتها اتوق إلى أمي كثيرًا وأتساءل : كيف تعاني؟ كم من الوقت سيستمر هذا الشقاء المُنَهمِر بالعذاب؟ هل هناك أيّ شخص يريد مساعدتي حقًا؟ من فضلِك يا مريم اعطني الأمل اعطني الإيمان في انكم ستوّفرون الرعاية اعطني الثقة مثلما كانت في أروقة السُلطة بين باكستان والولايات المتحدة حين أخذوا أمي ، قضية أمي الدكتورة عافية صدّيقي التي تحولت لأبشع فيلم رعب ألفه متحجرو القلوب الرجاء المساعدةلتعود للمنزل لا مِنْ أجلي فقط بل مِنْ أجل كل فتاة في باكستان . لقد تخلّت خالتيعن كل شئ صحتها، وظيفتها، ولاتزال تبتسم .. لكن أشعر بالعجز أمامها فقررت أن أكتب تلك الرسالة لكِ .. قد لا تسمعين صوتي في أروقة الرئاسة والحُكم لصعوبة وصوله لطاولة الإهتمامات ، أنتِ جميلة وموهوبة يا مريم نواز شريف وامرأة مؤثرة ولديكِ القدرة على الكلام عني وعن قضية الأسيرة المختطفة عافية صدّيقي يجب أن تتحلي بالقوة في المسئولية كي تتكلمي عن المظلومين والوقوف على الحق فكلانا مريم .. ماذا لو تبدلت الأماكن والأقدار بيننا ؟!؟ بوركتِ
  • ستة هواتف ذكية مشهورة عالميا صناعتها اندونيسية

    1- الهاتف الذكي أدفان: الهاتف الذكي المشهور أدفان من الهواتف الذكية التي يتم إنتاجها محليا وتملكها اندونيسيا.فهي تحمل نظام أندرويد في كل منتجاتها، كما تنتج أدفان أيضا الأدوات الإلكترونية الأخرى مثل، المحمول, والهاتف الذكي، وتابلت، والكمبيوتر . شركة أدفان تأسست في عام 2007 و يقع مكتب أدفان في جاكرتا ومع شعارها اعمل شيئا عظيما تكن في أحسن الحال تقدر أدفان المنافسة في سوق الهواتف الذكية العالمية. ومما زادها فخرا أن أدفان للهواتف الذكية أصبحت كفيلا لرعاية أحد فرق كرة القدم في أوروبا التي تجعلها العلامة التجارية المعروفة في أنحاء العالم . ولا تسأل عن الأسعار فالأدفان من الهواتف الذكية الرخيصة سعرها وتناسب متوسطي الدخل. مع مواصفاتها جيدة إلى حد ما، فجودة الهاتف تعادل سعرها. 2- الهاتف الذكي إيفركوس: إيفرفروس هي شركة الهواتف الذكية في اندونيسيا وكان اسمها سابقا كروس. و هي شركة إلكترونيات متخصصة في إنتاج الهواتف المحمولة ويقع مقرها الرئيسي في جاكرتا . وعلى الرغم من أن إيفرسكروس موبايل يتم تجميعها في الصين ونظامها التكنولوجيي من ألمانيا. إلا أن العلامة التجارية لهذه الشركة هي من اندونيسيا فهي مكان الإنتاج الأصلي . وسعر الهاتف مناسب جدا لمتوسطي الدخل من البسطاء في المجتمع ، حيث يمكنك الحصول عليها بدأ من 500000 روبية إلى 1000000 حسب نوع المنتجات من هذه الهاتف . 3- الهاتف الذكي بوليترون: كما عرفنا أن بوليترون من أكبر شركات الأجهزة الإلكترونيات في إندونيسيا وتشتهر بالمنتجات الإلكترونية المنزلية مثل المغسلة ، ومكيف الهواء، والتلفاز، والخلاط، والمروحة وغيرها. ولكن كثير منا لا يعرف أن شركة بوليترون أيضا تنتج الهواتف الذكية . ومن منتجات شركة بوليترون الهواتف من نوع بوليترون بريم 5, ولديها مواصفات جيدة مثل: شاشة 5.0 بوصة وكاميرا جيدة, ومع هذا التصميم المميز يتوقع أنها قادرة على المنافسة في السوق العالمية . ويرى رجال الأعمال أن شركة بوليترون بهذا المنتج تعتبر ناجحة في صنع الهواتف الذكية . 4- الهاتف الذكي سمارت فرين أندروماكس: ربما كثير منا يعرف أن سمارتفرين أندروماكس هو الهاتف الذكي مع نظام أندرويد صناعة اندونيسيا. سمارتفرين ليس فقط علامة تجارية للهاتف الذكي ولكنها أيضا علامة تجارية لبطاقة الاتصال والانترنت 4Gفي إندونيسيا . ومن المنتجات المفضلة من سمارت فرين الهاتف الذكي هو سمارت فرين أندروماكس Z. هذا الهاتف الذكي له سعر رخيص مع مواصفات عظيمة. ومع تصميمه الساحر بالطبع تقدر سمارت فرين المنافسة في الأسواق العالمية . 5- الهاتف الذكي إيمو: موبايل إيمو هي شركة إلكترونية في اندونيسيا. تأسست في عام 2011 في جاكرتا. وتنتج الشركة مجموعة متنوعة من المنتجات الإلكترونية. والمنتج من إيمو موبايل هي الهواتف الذكية وتابلت . الهاتف الذكي إيمو له سعر رخيص، فقط 600.000 روبية يمكنك الحصول على نوع إيموبلاست. والنوع إيمو بلاست له نظام أندرويد جيلي بين والمواصفات جيدة و مناسب لمن يحبون الدردشة . 6- الهاتف الذكي أكسيو: لمن لا يعرف أكسيو، فهي العلامة التجارية التي تشتهر بإنتاج الحاسب الآلي (لاب توب) . هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن أكسيو تنتج أيضا الهواتف الذكية وتابلت. ديفيد كارتونو المؤسس لشركة أكسيو وهو اندونيسي الأصل. ومكتب أكسيو الرئيسي يقع في جاكرتا. ومما زادنا فرحا أن أكسيو قد دخلت في سوق أمريكا. ومن الهواتف الذكية التي تنتجها الشركة هو أكسيو نوع فينج x. ومما تجدر الاشارة أن أكسيو دخلت سوق التكنولوجيا الحاسوبة والمحمولة في إندونيسيا عام 2004، وشركة أكسيو لها خصائص مميزة فضلا عن أنها شركة بسيطة ولكنها أنيقة، مع مستوى الجودة عالية ، وبهذا تقدر أكسيوا أن تنتشر إلى أعلى 3 أماكن في اندونيسيا
  • سليمان القانوني: بين حقيقة الأمجاد وكذب دراما الأحفاد

    بقلم: الخنساء ⁠⁠⁠ذاك الرجل الذي عرفنا عنه أنه منساقًا نحو شهوته، ليس لديه من التقوى شيء، محب لدنياه، لا يهمه سواها، عرفنا عنه ذلك من أعدائنا، ألا سُحقًا لهذه البجاحة! أنتعرف على أخبار خلفاء دولة الخلافة من أعدائنا وأعداء الإسلام ونصدقهم! نعم، لقد أحرقوا وأغرقوا مكتباتنا، فقد أحرقوا مكتبات بغداد وقرطبة وطرابلس وغرناطة وأشبيلية والقدس وغير ذلك، ولكن ألا نبحث عما تبقى من كتب مؤرخينا لنتعرف تاريخنا من خلاله؟ هل يصح أن نعرض عمّا تبقى من كتبنا؟ إن هذا هو ما أراده أعدائنا، أرادونا ممسوخي الهوية والفكر والتاريخ المُشرف، التاريخ الذي كانوا فيه ضعفاء جهلاء وكنا فيه أسيادهم، فيظن الجاهلون منا أنهم هم المتقدمون ونحن المتخلفون، ويسخرون ممن يعملون لأجل أن تكون خلافة ظنًا منهم أنها تخلف ورجعية، وهذا أيضًا عين ماأرادوه لنا. أرادونا ممسوخي العقيدة! فالعمل لأجل تحقيق لا إله إلا الله عقيدة، وفي ضوء كل هذا، ما يجب منا إلا أن نتمسك بديننا وعقيدتنا، ونبحث عن تاريخنا الصحيح من كتبنا لا منهم، كفانا غفلة، كفانا -والله- فإن الحرب قد إشتدت على الإسلام، وإن المسلمين مشردون في شتى بقاع الأرض، يُهان الدين قبل العرض! لماذا التاريخ؟ وإننا حينما نتحدث عن التاريخ، لا نتحدث عنه لأجل الإستمتاع بالقصص والروايات، وإنما لكي نعلم تاريخ الإسلام والمسلمين، فنمتلئ فخرًا بهم ونخطو خطاهم فلا نحيد عن هذا الطريق أبدًا، ونعرف عدونا الأول، ونفهم واقعنا المعاصر، وندرك خطر مَن يُسمّوْن بالمسلمين، ولكنهم ممسوخي العقيدة، فأصبح لا فرق بينهم وبين الكافر سوى كلمة مسلم التي تُقال فقط لا يُفعل من أجلها شيئًا، فلا إخلاص في العمل ولا معرفة بالله أصلًا لكي يُخلِص له، وقطعًا لا إتباع للشرع، بل إعراض عنه ونفور منه وممن يتبعونه. لماذا حريم السلطان؟ دعني ابدأ حديثي عن هذا الرجل بمقولتين للفقيه المؤرخ ابن العماد الحنبلي عنه.. الأولى: كان مجدد دين هذه الأمة المحمدية في القرن العاشر. الثانية: وهو سلطان غازٍ في سبيل الله، مجاهد لنصرة دين الله. حتى تتضح لك الصورة وتفهم: لماذا سليمان القانوني خاصةً ولماذا حريم السلطان! إنه قد قيل عنه أنه مجدد دين هذه الأمة، هذا الدين الذي يخشى منه الكفار الفجار، فيحاربونه لأجل أن يعثو في الأرض فسادًا كما أرادوا. ولكن هيهات هيهات! فإن الله ناصر هذا الدين الذي بُعِث به الأنبياء رحمة للعالمين، وقد قيل أيضًا أنه غازٍ في سبيل الله، نعم، لم يكن خليفتنا متقاعدًا متخاذلًا عن نصرة دين الله وفتح البلاد ليحكم بين الناس بما أنزل الله، فهو مجاهد لنصرة دين الله بحق، فلا لمال ولا لنساء يغزو البلاد فيدخلها فاتحًا! ونعم العبد المجاهد كان. وفَكِّر معي، الناس في أيامنا هذه تلهث نحو التمثيليات الغرامية التي تمتلئ بالسفور والتبرج والمحرمات بشكل عام، وخاصةً النساء منهم. النساء اللاتي يصنعون الرجال! فحينما يعلمون أن هذه هي الخلافة وهذا هو الخليفة -بالمناسبة، إن خليفتنا هذا يسميه الغرب في أدبياتهم باسم سليمان العظيم، فعندما يكون هذا هو العظيم، فماذا عن غيره!- فهذا يجري وراء النساء ولا يلتفت لغير شهواته! ثم ينظرون إلى ذاك الإرهابي المتطرف الذي يقول نريد خلافة. يا مسلمين، الله ربكم يقول: إن الحكم إلا لله! هذا يريد أن نصبح مثل ما في هذه التمثيلية! اقتلوه، اعتقلوه، إنه متخلف، إنه رجعي، إنه إرهابي.. كاذبين، إنه فقط مسلم! اقرأ أيضًا:الخليفة سليمان بين الحقيقة و (حريم السلطان) تولية ابن المجاهد الخلافة تولى هذا السلطان المجاهد الخلافة وهو في السادسة عشر من عمره -نعم، في دولة الخلافة العثمانية التي يتهمونها بالتخلف والرجعية سلطان في سن العشرينات- بعد أبيه السلطان سليم الأول صاحب الإنتصار في معركة جالديران العظيمة على الشيعة الصفويين -قبّح الله وجوههم- الذين أرادوا نبش قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتصدى لهم ذاك البطل الذي قرر المدافعة عن أعظم الخلق مُحمّد -صلى الله عليه وسلم-، فالسلطان سليمان القانوني بطل وابن بطل، بارك الله له ولأبيه عمّا قدماه للإسلام والمسلمين بدأت خلافته وبدأت فتوحاته كان هذا قبل ٥٠٠ عامًا من الآن، منذ خمسة قرون فقط كنا -نحن المسلمون- في مقدمة الأمم، كان ملوك أوروبا يدفعون لنا الجزية عن يد وهم صاغرون. ثم لنا حكاية مع دفع الجزية للسلطان ذو الست وعشرون عامًا: عندما تولى السلطان سليمان الخلافة ظن ملوك أوروبا أن ذلك الشاب لقمة سائغة، ولكنه كان رجلًا بمئات من رجال اليوم، هو لم يكن متبعًا لهواه طائشًا، فخيّب أملهم واتجه نحو مدينة بلغراد ليفتحها، فكان -رحمه الله- يُعرف بهمّته العالية في الجهاد في سبيل الله، فحاصرها ثم دخلها فاتحًا، وليس هذا فقط، بل أمر الخليفة أن يُرفع الأذان من قلعتها، وبالفعل قد حدث. هُنا أدرك ملوك أوروبا أنهم أمام رجل مجاهد جديد من هذه الأمة الإسلامية العجيبة، التي ما ينصر منهم من أحد دينه إلا وينصره الله! ثم بعد ذلك تسابق ملوك أوروبا إلى دفع الجزية للسلطان، عدا واحد منهم يُدعى لويس الثاني ملك المجر، وكان في المجر آنذاك إمبراطورية قوية قضى عليها ذلك المجاهد في آخر حياته، فعندما أرسل الرسول إلى المجر ليجلب من ملكها الجزية، قتله. فما رد ذلك الشاب الصغير ياتُرى؟ هل إستكان له أو تفاوض معه؟ هل ذهب يشكو للملوك ضياع حقه في هذه الجزية؟ بالطبع لا، فالمسلمون يعرفون بعزتهم، نعم المسلمون.. عندما وصله خبر مقتل الرسول تجمزر وقال: أيُقتل سفير الإسلام؟ فالمسألة إذن ليست مسألة أموال بل هي مسألة دين، فهو إذن ليس برجل يتبع هواه ويجري وراء لذاته وشهواته. ثم هل إكتفى بالكلام؟ قطعًا لا، فهذا رجل مسلم مجاهد وليس بديوث متخاذل ليُقتل مسلمًا ولا يتحرك ليقتص له ممن قتله. فقد خرج السلطان بنفسه على رأس جيش مقداره مائة ألف مجاهد من مجاهدي القوات الخاصة العثمانية فرسان الأنكسارية واتجهوا نحو المجر لتأديب ملكها. اقرأ أيضًا:معركة موهاكس: ما لم تنساه أوربا للسلطان سليمان القانوني ! عظمة ملكه: ثم إعطني عقلك قليلًا، أتعلم أن رقعة خلافته قد إتسعت حتى امتدت في الثلاث قارات، وكانت دولة الخلافة العثمانية هي الدولة العظمى آنذاك حيث كانت تمتلك السيادة على البحار والمحيطات جميعها، فكيف لرجل منغمس في الشهوات أن يصل لكل هذا؟! بل إنك تزداد فخرًا وعزة بأن هذا الرجل كان خليفة للمسلمين يومًا ما -يوم كان قريبًا ونتمنى أن يعود بأيدينا-، عندما تقرأ مقدمة رسالته إلى فرنسيس ملك ولاية فرنسا والتي تنص على: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، أنا سلطان البحر الأبيض والبحر الأسود والبحر الأحمر والأناضول والروملّي وقرمان الروم وولاية ذي القدرية وديار بكر وكردستان وأذربيجان والعجم والشام ومصر ومكة والمدينة والقدر وجميع ديار العرب والعجم وبلاد المجر والقيصر وبلاد أخرى كثيرة افتتحتها يد جلالتي بسيف الظفر ولله الحمد والله أكبر، أنا السلطان سليمان بن السلطان سليم بن السلطان بايزيد إلى فرنسيس ملك ولاية فرنسا، وبعد.. فكيف لرجل إمتلك كل هذا، وهو متبع للشهوات غارق فيها؟ إنهم قد فقدوا كل المنطق بسبب حقدهم وغلهم الشديد عليه، ذلك المجاهد العظيم الذي دافع عن الإسلام وجاهد في سبيل الله حتى كبر في السن ومات غازٍ في سبيل الله أيضًا فكيف لا يشوهون صورته؟ بعدما تعلم عظمة ملكه ورقعة خلافته يتبادر إلى ذهنك ذاك البطل المقاتل الغازي في سبيل الله، الذي أمضى عمره في فتح البلاد ليُحكَم فيها بما أنزل الله وعدم إتباع الهوى، فقد كان خليفتنا يطبق إن الحكم إلا لله، وهذه جريمته بالنسبة لهؤلاء! إن الحكم إلا لله التي حاول تجاهلها البعض إرضاءًا لأعداء الإسلام، فضلّوا. فقد كان أكثر ما اشتهر به ذلك المجاهد البطل همته العالية في الجهاد، حيث وصفه الجبراتي في كتابه عجائب الآثار بإقامة الشعائر الإسلامية والسنن المحمدية وتعظيم العلماء وأهل الدين. ونرى من مظاهر تعظيمه للعلماء وأهل الدين أنه قد جعل منصب الفتوى من أعلى المناصب في الدولة لا تدعهم يغتالونك فكريًا لم يكن سليمان القانوني يفتح البلاد ويتركها هملًا، فقد كان يعتني ببناء المناطق التي يفتحها حضاريًا، ودعنا نتسائل. أين كانت أوروبا من العلم والحضارة وقتها! كانت أوربا غارقة في جهلها آنذاك، فالكنيسة تخطئ أخطاءًا علمية، ثم من يعارضها تحرقه وتكفره، وهُنا نقول: لا تدعهم يغتالونك فكريًا، فيشرحون لك كيف هم دعاة التحرر والحضارة وتقديس العلم، وكيف أن المسلمين متخلفون، ليس لديهم من العلم شيء، بل ويتجرأون فيتهمون اللغة العربية بالعجز عن أن تكون لغة علم، وهذا عين الإغتيال الفكري، هذا الغزو التاريخي الشرس الذي يريد أن يمحق كل ما هو إسلامي، لأنهم رأوا الكثير من أبناء هذا الدين، فقرروا أن يجعلوا أبناء هذا الدين أنفسهم غرباء عنه، ليس لهم علاقة به إلا اسمًا، ولكن الأرض لا تخلو من ثائر لله بحق، ولعله أنتَ، من يجدد دين هذه الأمة من جديد، ولعلها أنتِ يا أُخية! من تربي جيلًا كاملًا يجدد دين هذه الأمة. فيعيد إليها مجدها وعزها مرة أخرى، ونُريهم كيف تكون الخلافة..
  • ماذا تعرف عن تركستان الشرقية؟

    موقع ومكانة تركستان الشرقية: تلك الأراضي الواقعة في آسيا الوسطى ويقطنها الأتراك وتسميها كل من الصين وروسيا بأسماء مختلفة حسب أهوائها السياسية وهي نفس البلد التي تسمى تركستان فى المصادر الإسلامية وتركستان مصطلح تاريخي يتكون من مقطعين ترك وستان، ويعني أرض الترك . تركستان الشرقية الخاضعة الآن للصين، وتُعرف باسم مقاطعة سكيانج، يحدها من الشمال الغربي ثلاث جمهوريات إسلامية هي: كازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيستان، ومن الجنوب: أفغانستان وباكستان، ومن الشرق أقاليم التبت الصينية: وهي من أكبر أقاليم الصين. وتبلغ مساحة تركستان الشرقية 1660 مليون كم2 حيث تأتي فى الترتيب التاسعة عشر بين دول العالم من حيث المساحة إذ تعادل مساحتها ثلاثة أضعاف مساحة فرنسا وتشكل خمس المساحة الإجمالية للصين. تركستان والإسلام: دخل الإسلام في تركستان الشرقية في القرن الرابع الهجري، حيث تحول التركستانيون إلى الإسلام تحت قيادة زعيمهم ستوق بغراخان خاقان رئيس الإمبراطورية القراخانية عام (323هـ/ 943م)، فأسلم معه أكثر من مائتي ألف خيمة (عائلة)، أي ما يقارب مليون نسمة تقريبًا. وللقرخانيون دور بارز في نشر الإسلام في تركستان الشرقية ففي سنة (435هـ/ 1043م) استطاعوا إقناع أكثر من عشرة آلاف خيمة من خيام القرغيز بالدخول في الإسلام، وعرفوا هم وقبائل التغز والغر السلاجقة والعثمانيون بجهادهم ودفاعهم عن الإسلام في معاركهم ضد القبائل الوثنية التي كانت تعادي الدعوة الإسلامية في تركستان الشرقية، ومن أشهر المعارك الفاصلة بين الأتراك المسلمين وغير المسلمين موقعة طراز، وهي المدينة التي انتصر على أبوابها القائد المسلم زياد بن صالح سنة (134هـ/ 751م)، وساندت الإمبراطورية الصينية الأتراك غير المسلمين بجحافل من القوات الصينية حيث نجد أن الإمبراطورية الصينية لم تستطع إخفاء كرهها الدفين لانتشار الدعوة الإسلامية في أراضي تركستان الشرقية وهذا ما يعاني منه الآن المسلمون هناك من فناء وتعسيف واستهداف دينهم واقتصادهم وكيانهم وتهجيرهم بالإجبار وعدم الاعتراف بحقوقهم. وقبل البدء في ذكر ما تعاني منه تركستان في وقتنا الحالي فلنذكر ما تتميز به تركستان ويجعلها جوهرة تتلألأ فى أعين الطامعين. موارد تركستان: تركستان الشرقية تعد منجم ثروات الصين بأكملها وعصبها الاقتصادي. فعلى الجانب الصناعي: تحتوي على 118نوعًا من المعادن، من بين 148 نوع تنتجها الصين، وأكثر من ثلاثين منطقة لإنتاج البترول، واحتياطي من البترول يربو على 8 مليار طن، يستخرج منه سنويًّا حوالي خمسة ملايين طن من مناطق كراماي وأقبولاق وقيزيل طاغ وأوجكاليك وكوكيار، ويُنقل كله إلى الصين دون استفادة أبناء البلاد بأي شيء!! وبها نصف احتياطي الصين كلها من الفحم (حوالي 2 تريليون طن)، وتبلغ المساحة الكلية التي يستخرج منها الفحم أكثر من 900 ألف كلم مربع من الفحم ذي السعرات الحرارية العالية جدًّا. كما يتم استخراج الذهب من 56 منطقة، بواقع 360 كيلو جرام سنويًّا. كما أن بها أيضًا مناجم الملح، والكريتال، ومعادن ملونة متنوعة، ومناجم للحديد الذي يستخرج من حوالي 550 موقعًا. أما عن مميزات تركستان الزراعية: تمتاز بتوفر الإمكانيات المائية الهائلة وخصوبة التربة، وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية الوفيرة الإنتاج أكثر من 150 ألف كم مربع، تنتهبها الصين، وتجبر الإيجور على العمل فيها بالسخرة أو بأجور زهيدة! وتشمل تركستان الشرقية حوض جونجاراي، وحوضي تاريم وتورفان بين جبال طانري، وحوض نهر تاريم الذي ينبع من جبال قره قورم ويصب في بحيرة قره بوران. ونتيجة لوجود هذا النهر الذي يبلغ طوله 1600 كم، فإن الأراضي المحيطة به خصبة وزراعية. أما عن الجانب الحربي والعسكري: فهي عصب صناعاتها الثقيلة والعسكرية؛ فالصواريخ الصينية النووية والصواريخ البالستية عابرة القارات تُنتج في تركستان الشرقية. وأما عن الموقع الجغرافي المتميز وتضاريس أرضها: فتضم تركستان بين جنباتها صحراء تكلمكان المعروفة بأنها المهد الذهبي للحضارة الإنسانية، ومنتزهات التون داج الطبيعية التي تعتبر جنة من جنان الدنيا، وطريق الحرير وهي الجسر الذي طالما ربط قارة آسيا بأوربا، وبحيرة طانري وبوجدا وهما من أعلى البحيرات في العالم، وإيدينكول التي تعتبر من أكبر المنخفضات عن سطح البحر، فضلاً عن العديد من المراكز الحضارية التي تحتوي على الكثير من الآثار القديمة التي لم تستخرج بعد . وبعد أن ذكرنا ما تعج به تركستان من ثروات وخيرات طبيعية لابد وأن نتوقع أن يطمع بها الطامعين وأنها تعاني الأمرين، أما عن الأسباب الأخرى لمعاناة وجروح تركستان وتعرضهم للتهجير الإجباري فهو ما سنذكره فيما سيأتي. معاناة تركستان وثوراتها: ذكرنا تاريخ دخول الإسلام في تركستان أما عن بداية معاناة المسلمين فيها فقد كانت بدايتها عام 1644م إذ بدأت فيها أسرة مانشو الحاكمة في حملة من الاضطهاد والعذاب للمسلمين في الصين، اضطر معها المسلمون إلى رفع السلاح وعانوا من مذابح غير آدمية وإبادات جماعية وكل هذا يحدث خلف أسوار الصين أثناء غفلة العالم الإسلامي. استولت الصين على تركستان الشرقية عام 1760م بعد ضعف أهلها وقتلت الصين وقتها ما يقارب المليون مسلم. وألغت الصين نظام البكوات الذي كان قائما آنذاك وقامت الصين بتوحيد ولايات تركستان في ولاية واحدة، ثم بدأت بنقل أعداد كبيرة من الصين إلى تركستان فيما يعرف سياسيا باسم تصيين تركستان الشرقية محاولة منها في إلغاء الكيان التركستاني والقضاء على الإيجور، وقامت تركستان بالعديد من الثورات ضد الصين منها: ثورة جنقخ:التي استمرت لمدة سنتين. وثورة 1855:التي استمرت عشرين سنه بقيادة يعقوب بك تمكن التركتستانيون من الحصول على الاستقلال عام 1865 م ولم تلبث فرحتهم طويلا حيث استطاعت الصين احتلالهم مرة أخرى سنة 1875م فى صمت تام من العالم الإسلامي. ثورة 1931 م: حينما أبدى المسلمون الاعتراض على تقسيم المنطقة التي يحكمها شاكر بيك إلى وحدات إدارية وقام رئيس الشرطة بالاعتداء على امرأة مسلمة فاستشاط المسلمون غضبا وتظاهروا بإقامة حفل على شرف رئيس الشرطة وقتلوه هو وحراسه وقد كانت ثورة عارمة؛ إذ استطاع المسلمون أن يستولوا على مدينة شانشان وسيطروا على طرفان وعندما أرادت الصين تهدئة الأوضاع قامت بعزل الحاكم العام بعدما سيطر المسلمون على اورمتشى قاعدة تركستان الشرقية وقاموا بعزل الحاكم بأنفسهم ووزعوا المناصب على أنفسهم فما كان للصين إلا أن تعترف بسلطتهم على المراكز التي تسلموها. واشتعل فتيل الثورة في جميع نواحي تركستان حيث أعلن العديد من زعماء الحركة الثورية تمردهم واستولوا على مدنهم وذهبوا إلى كاشغر حيث كان ثابت داملا وأراد أن يعلن قيام حكومة كاشغر الإسلامية. أما خوجانياز فقد جاء إلى ثائري كاشغر ليفاوضهم وينهى ثورتهم فأقنعوه بعدالتها وانضم إليهم وأعلن قيام حكومة جمهورية تركستان الشرقية الإسلامية في 12 نوفمبر 1933م خوجانياز رئيسا لها وثابت داملا رئيسًا لمجلس الوزراء. ولكن، كعادة الصين لم تترك تركستان تنعم بحريتها كثيرا حيث أسقط التحالف الصيني الروسي هذه الجمهورية وقام بإعدام جميع أعضاء الحكومة مع عشرة آلاف مسلم، وحصل الروس مقابل مساعدتهم للصين على حق التنقيب عن الثروات المعدنية، والحصول على الثروات الحيوانية، واستخدام عدد من الروس في الخدمات الإدارية في تركستان الشرقية وكان هذا في أغسطس 1937م. وحصلت تركستان الشرقية على الاستقلال الذاتي عام 1946م واستطاعت أن تمسك زمام أمرها خلال الحرب العالمية الثانية حيث أُنشئت المطابع والمدارس. ولكن، بعد انتهاء الحرب العالمية تعرضت تركستان لهجمة القوات الصينيه الشيوعيه عام 1949م ومن هنا بدأت تركستان في المعاناة بحق!. تركستان تحت الاحتلال الشيوعي : تزعم الصين أنها أعطت لتركستان حق الحكم الذاتي ولكن بالنظر في تعداد السكان الصيني والتركستاني داخل تركستان على مدار سنوات المعاناة نجد أنه عند بداية الاحتلال 1949م كان تعداد الصينين لا يزيد عن نسبة 6% داخل تركستان أى ما يقارب 600 ألف نسمة، وكان عدد المسلمين آنذاك حوالي 2.3 مليون مسلم أما بعد استمرار سيطرة الصين وتهجير آلاف الصينين إلى تركستان ومحاولة القضاء على الإيجوريين فنجد أن بعض المصادر ذكرت أن عدد الصينيين في تركستان قد تجاوز بالفعل الستة ملايين نسمة منذ عام 1992م؛ فنظام الاحتلال الصيني يرسل أعدادًا هائلة من العسكريين وعائلاتهم إلى المنطقة، ويشجع العاطلين من أبناء الصين على الهجرة والعمل في تركستان مع تقديم الحوافز المغرية لهم، وتهيئة المسكن، بل تعدى الأمر إلى إرسال الآلاف من المحكوم عليهم في قضايا سياسية أو جنائية؛ حتى بلغت نسبة الصينيين في بعض المدن الكبرى مثل أرومجي وأقصو وقولجا وقورلا والتاي وقومول وبوريتالا وغيرها نسبة 90% !! وهذا ما يؤكد كذب إدعاءات الصين وتزييفها للحقائق! وعبر تلك السنوات تعرضت تركستان الشرقية للكثير من المذابح والاضطهاد الديني والظلم واستمرت ثوراتهم ضد القمع وطالما حاولت الصين إخفائها عن العالم مثل ثورة 1966م في مدينه كاشغر حينما ذهب المسلمون لأداء صلاة عيد الأضحى فاعترضتهم قوات الصين وأقامت مذبحة بشرية ضدهم فاشتعلت الثورة في الإقليم وراح ضحية الإنسانية الصينيه ما يقارب 75 الف شهيد خلال شهر واحد. وتستمر محاولات الصين في إخفاء ملامح تركستان الإسلامية حيث أعلنت الكثير من القرارات التعسفية ومنها اعتبار الإسلام خروج عن القانون! وإلغاء الملكية الفردية، وهدم المساجد أو اتخاذها أندية لهم، واستبدال التاريخ الإسلامي بتعاليم ماواتسي تونج وجعل اللغة الصينية هي اللغة الرسمية، ومنعهم من السفر، وبيان تحديد النسل وغيرها من الوسائل غير الآدمية التي إن دلت على شيء فإنما تدل على ما تكن به نفوسهم من حقد وبغض لتعاليم الدين الإسلامي، وطمع في ما تملك تركستان من مميزات. بيان تحديد النسل : أرادت الصين أن تحد من زيادة أعداد الإيجوريين المسلمين لذلك قامت بإصدار بيان غير آدمي لتحديد النسل وفيه فرضت العقوبات على المخالفين والمقصرين من الجهات الإدارية المحلية بالتشهير بأسمائهم وإقصائهم وكذلك وقعت أقصى العقوبات على من اعترض على تلك السياسة من العلماء، وكذلك خصصت 20% من دخل القرى لتلك الحملات فبدلا من تخصيصه في التطوير والإنتاج استخدمته السلطات في القضاء عليهم ؛ وكنتيجة متوقعة وطبيعية من الإيجوريين ساد الغضب والسخط على ما يلاقون من تعسف وظلم بيِن فكما أعلن أحد الإيجوريين _بعدما وصل إلى ألمانيا بعد طلبه للجوء السياسي_ أن مجموعة من قوات المجاهدين في حزب الإصلاح الإسلامي السري في تركستان الشرقية قاموا بتفجير كل من مقر تحديد النسل في بلدة توقسو وجسر طاشيول الواقع بين كاشغر وأورومجي، ومبنى محكمة التفتيش بولابة آقسو في آنٍ واحد وذلك في الساعة العاشرة صباح 18 يوليو 1994م , وكانت هذه التفجيرات انتقامًا لما حدث مع تلك السيدة الإيجورية التي مضى على حملها _غير القانوني على حد قولهم تسعة أشهر فطالبوا زوجها بغرامة تزيد عن مقدرته فأرغموه على بيع مواشي كان يستعملها في زراعة القمح وهرب زوجها خارج البلدة وهي استطاعت أن تهرب من أيدي مسئولي الحملة وذهبت إلى المقابر ووضعت وليدها واستطاعت أن تحافظ عليه حيا. ولكن، بعد بحث الجهات الأمنية عنها استطاعوا أن يجدوها وذهبوا بها إلى مركز الفحص وهناك قامت مديرة المركز بقتل الطفل أمام عيني أمه التي توفيت بعد إصابتها بالانهيار. ومن وسائل الصين أيضا لفرض سيطرتها على تركستان منعها لسفر الشباب إلى خارج البلاد خوفا من انضمامهم للمؤسسات الحقوقية التي تندد وتشجب أفعال الصين. أما عن محاربة الدين صراحة أنه بدأت الصين في تطبيق سياسة منع المسلمين من الصلاة في المساجد ومنع تعليم الدين الإسلامي ومن ذلك ما حدث في مدينة غولجة في ليلة السابع والعشرين من رمضان 1417ه/1997م عندما وقف رجال المباحث والاستخبارات والشرطة أمام أبواب المساجد يمنعون الشباب والنساء من دخول المساجد لأداء صلاة التراويح والتهجد، فاشتبك المسلمون معهم، واندلعت ثورة عارمة في غولجة التي تقع في شمال البلاد، وتدخل الجيش الصيني لضرب هؤلاء المسلمين العُزَّل، فقتل منهم أكثر من 300، واعتقل نحو 10 آلاف مسلم. ولا يقتصر الأمر على الاضطهاد الديني فقط، بل بلغ حد سيطرة المستوطنين الصينيين على أمور هذا البلد المسلم؛ فحسب قول أحد الباحثين: معظم كبار الموظفين وكل قوّاد الجيش من الصينيين الذين عيّنتهم بكين؛ فالصينيون يسيطرون على كل الصناعات الرئيسية ومراكز الاستثمار الاقتصادي لتحقيق متطلبات السلطة المركزية، وأما أغلب المسلمين المحليين فهم في مهنهم التقليدية في الزراعة والرعي، وفرص العمل لهم في المجالات الأخرى محدودة جدًّا، إضافة إلى أن الثروات تصدر إلى الصين، ثم تستورد منها مصنوعات غالية الثمن ماذا فعل العالم الإسلامي لتركستان؟! على عكس المتوقع من الدول المسلمة المجاورة لتركستان من تضامن وتعاطف مع قضيتهم قام البعض منهم -مثل كازخستان وقيرغيستان وطاجكستان وأوزبكاستان- بالتضامن مع الصين لمكافحة ما يسمونه بـ الأصولية الإسلامية وقاموا بمنع دخول الإيجوريين لبلادهم وقاموا بإعادتهم قسرا إلى تركستان مما ينافي قوانين الأمم المتحدة الخاصة باللاجئين. كذلك منعت بعض الدول الإسلامية اإيجوريين من التعلم لديها أو الإقامة بها وكنتيجة متوقعة لسلبية العالم الإسلامي في التعامل مع قضيتهم وتكتيم الصين على أفعالها أمام العالم ظلت قضية تركستان الشرقية ومعاناتها واقعة في عنق الزجاجة الصيني لا تستطيع الخروج للعالم. ما نستطيع أن نقدمه لتركستان: على مستوى الحكومات : تستطيع الحكومات المتصلة بالحكومة الصينية أن تشكل ضغط عليها للحد من القمع والظلم الذي يلقاه كل مسلم إيجوري هناك، ومحاولة الوصول إلى اتفاقيات لينعم المسلم هناك بما يستحق من حياة آدميه كريمة، كذلك يمكن للحكومات أن تعزز الاتصال الثقافي الإسلامي بين بلادها وتركستان الشرقية مثل الأزهر في مصر. _وهذا في حالة وجود حكومة إسلامية تهتم لأمر المسلمين! أما على مستوى الشعوب: فيجب علينا أن نقف قلبا وقالبا مع قضايا المسلمين في أنحاء العالم فنجد أن قضية تركستان لا تقل أهميه عن قضايا فلسطين والعراق يجب علينا ألا ينقطع دعاءنا لهم بالنصر وفك الكرب كذلك وجب علينا نشر الوعي بقضاياهم وما يلاقوه من معاناة عن طريق الوسائل الإعلامية والفعاليات لدعم القضية والتعريف بها ومقاطعة المنتجات الصينية على قدر الممكن حيث أن الدول الإسلامية والعربية تشكل جانبًا كبيرًا جدا من السوق الصينية، إنشاء صندوق تبرع لدعم قضيتهم أو إرسال التبرعات لهيئات الإغاثة، وتهيئة النفوس للجهـاد والمقاومة. وأخيرًا وليس آخرا نسأل الله لهم النصر القريب ونسأله أن يهلك الظالمين في كل بقاع الأرض وحسبنا الله ونعم الوكيل.
  • جوجل وفيسبوك… خدماتٌ مجانية أم مِنصاتٌ ربحية؟

    : هذا المقال ترجمة لمقال Facebook and Googles Dirty Secret: Theyre Really Junk Mail Empires لكاتبه : JASON KINT. بات تأثير عملاقي التواصل في تضاؤل وما زال مُعظم الناس يجهلون الكيفية المُريبة التي تستخدمها الشركتين في جني الأموال . ثلاثة أعوام ونصفُ العام، ارتفعت خلالها أرباح شركة فيسبوك المملوكة لمارك زوكربرج لتتخطَّي الـخمسين مليار دولار بزيادةٍ ملحوظة شهدتها عوائد أكبر منصة تواصل اجتماعي عن السنوات الماضية ولا سيما مُنذ تناول صحيفة وول ستريت للمُمارسات الضارة التي تنتهِجُها الشركة بحق بيانات مُستخدميها . إلا أن هذا الارتفاع في الدخل عَكَّر صفو الاحتفاء به الانكماش المُتنامي في درجة تأثير شركتي جوجل وفيسبوك على المراكز البحثية والجامعات، والمعاهد الفكرية وحتي في تصاغُر علاقة هاتين الشركتين بدوائر صناعة القرار حيث انصرفت إدارة ترامب الديماجوچية (الغوغائية) مثلاً عن التكنولوجيا والعلوم مُستعيضةً عنها بنظريات المؤامرة الواهية وأشباحُ دسائس تُحاك في أعمق ظُلماتِ أضغاث أحلام رِجالاتها الذين مَسَّهُم الحمقُ ولَفِحَهُم الخَطل !! ومع ذلك، أثناء وعي المُطَّلعين على أسرار هذه الصناعة والشركات الإعلامية الكُبرى لحقيقة قنِاع نحنُ خِدمةٌ مجانية الذي تتقمصّهُ بجدارة عملاقي التكنولوجيا هذين، فإنه بالكاد يتنبَّهُ وعي المُستهلكين للمخاطر الرقابية الناجمة عن استخدامهم المُستمِر لمُحرك جوجل وشبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك . بالتأكيدِ يتغيَّر الانطباع العام عن هاتينِ الشركتينِ فقد قام المكتب الفيدرالي الألماني لمُكافحة التكَتُلاتِ الاحتكارية قُبيل مايُسمّى بإجازات الكريسماس الأخيرة بنشر نتائجٍ أوليةٍ تُفيد باستغلال موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك لاسمه كموقع وحجم انتشاره بين المُستخدمين في جمعِ البياناتِ الشخصيةِ لهؤلاء الجماهير والسِجلات الخاصة بتواريخ تصفُّحِهم لمُختلف مواقع الإنترنت الأمر الذي لقى صدىً واسعاً في دوائر الإعلام الأمريكية لكن على الصعيدِ الحكومي جُوبه الموضوع بقليلٍ من التركيز ولا سيما بعد استدعاء الكونجرس للمُمثلين القانونيين لشركات جوجل، وفيسبوك، وتويتر شهر نوفمبر (تشرين الثاني ) الماضي بشأنِ سماع شهاداتهم بخصوص جهودهم المبذولة لمنع أية تَدخُلات روسية مُقبلة في أي انتخابات أمريكية . فمن ناحية، تُعدُّ تحركات أكبر جِهة تنفيذية ألمانية لمُكافحة الاحتكار بمثابة نذير لخُطوة أوسع يسعي الاتحاد الأوروبي في اعتمادها حيث تسعي الدول الثماني والعشرين لإقرار لائحة تنظيمية عامة لحماية البيانات GDPR تدخل حيز التنفيذ بحلول يوم الخامس والعشرين من شهر مايو (آذار) من العام 2018 . تحِدُّ هذه اللائحة المُزمَع تطبيقها والمُلحقةُ بمجموعةٍ مُطوَّرةٍ من التشريعات وقوانين حماية الخصوصية من وصول فيسبوك وجوجل ومثيلاتهما إلى بياناتٍ بعينها مُتيحةً لها فقط حِزمة من المعلومات المُحددة والواضحة بما يُقلل من فعالية وسائل جمع البيانات التي تفرضها الشركتين بشكلٍ حصري وفريد على الجمهور . ما يُعني أنه لن يكون بمقدور جوجل وفيسبوك فرض رِقابة واسعة المدي إلكترونياً على مُستخدميها بطريقٍ تلقائي وبالتالي تعطيل بيع بيانات المُستخدمين كشروطٍ رئيسةٍ لإنشاء بريد إلكتروني على Gmail أو تسجيل حساب على فيسبوك . في الواقع فقد توقفت شركة جوجل مُنذ الصيف الماضي عن فعل ذلك كترضيةٍ للجماهير وكُخطوة بارزة بهدف تحسين صورتها أمام الرأي العام العالمي . على مدار أكثر من أربعين عاماً، قلب الصعود العالمي لتطبيق فيسبوك ومُحرك البحث جوجل كافة قوانين المُنافسة رأساً على عقب في المُجتمعات الرأسمالية، حتى أصبح قانون رفاهية المُستهلك أول ورُبما آخر تشريع يصدر لضبط عملية المُنافسة وضمان عدالتها، وهو تشريعٌ تُقوَّض بمُقتضاهُ هيمنة الشركات ممنوعةً عن التحكم في مسألة رفع أسعار السِلع والخدمات . وبتغيُّر الأزمنةِ أضحي من الاستحالة قياسُ مدى ارتفاع الأسعارِ بالعُملات الورقيةِ فحسب بل تخطى القياس ذلك لآفاقٍ جديدة كـتوفير عروضٍ تنافسيةٍ على هذه السِلع وأيضاً، حتمية تحفيز التطوير والابتكار . والأهم من ذلك أنها المرةِ الأولي التي نرى فيها جِهةً تشريعيةً كُبري تربطُ بحكمةٍ بين المنافسة وبين سياسات حماية البيانات، فبرمجيات كــمجموعة خدماتِ جوجل وتطبيقات فيسبوك، وماسنجر، وإنستجرام، والواتس آپ وغيرها تطبيقاتٌ كثيرة تتشارك فيما بينها عدداً من السمات التي تخرُّق لوائح تنظيم المنافسة وتُخِلَّ أيُما إخلالٍ بتشريعاتها، نذكُرُ مِنها : أ- يُتاح تحميل هذه التطبيقات والاستفادة منها مجاناً لسائرِ المُستخدمين وهنا بالتحديد لو ارتكزت المنافسة على تسعير الخدمات للمُستهلك فإن جوجل وفيسبوك يُسقطان هذه الطريقةُ من الحُسبان فقد أتاح جوجل أفقاً معلوماتياً لا تُسوِّره سماء بينما يسمح الفيسبوك بكل بساطة بالتواصل مع الأهل والأقرباء والأصدقاء الواقعين خارج الحدود الجغرافية فقد تتواصل مع أقربائك في آسيا بكل سهولةٍ ويسر ولك حتى أن تُكلِّمَهُم وبمُغرياتٍ كهذه لماذا لا يُقبل الناس على استخدام تطبيقات هاتين الشركتين أفواجاً . ب- تَجمع هذه التطبيقات قاطبةً معلومات واقعية عن المُستهلكين، فجوجل على سبيل المثال تتعقَّب 80 % من إجمالي تصفح مُستهلكيها لأول مليون موقع يُفتح يومياً وفقاً لدراسةٍ أعدَّتها جامعة پرينستون الأمريكية أما فيسبوك من جهته فيتتبع مُستخدميه من خلال أزرار الإعجاب الذائعة على شتي مواقع الإنترنت حتي لو لم تضغط عليها فإن وجودها كفيلٌ بإرسال معلوماتك إلى الشبكة ولهذا يُمكنك بعد الانتهاء من تصفح منتجٍ ما معروضٌ على موقعٍ بعينه أن تفتح حسابك على فيس بوك لتجد الشبكة تقترح لك صفحة هذا الموقع ومواقع أخري مُماثلة لتُسجِّل إعجابك بها فإن الموقع يسعي في المقام الأول لمعرفة تفضيلاتك وإمدادك بها باستمرار بُغية اجتذابك لقضاء أكبر وقت مُمكن عليه . تقع كل هذه المُمارسات مُحتجبةً عن أعينِ المُستهلكين وبسبيلٍ يفوق أعلي توقعاتهم فإن أقصى ما يرقى إلى ذهنِ ناشر أي معلومة أو المُعلن عن أي مُنتج باستخدام فيسبوك أن زر الإعجاب وُجِدَ بغرض تسجيل استحساننا عمَّا يُعرض لنا فقط كذلك هي الحال بالنسبة للأغلبيةِ العُظمي لمُستخدمي فيسبوك، لكن استخدام الموقع زر الإعجاب لترتيب ما تراه هو ما أتاح للمكتب الفيدرالي الألماني لمُكافحة الاحتكار أن يتوصلَّ إلى النتائج المُستنتجة والمذكورة أعلاه . ج- كما بينَّا فإن جوجل وفيسبوك تستخدمان البيانات التي يجمعنها للمساعدة في ظهور الإعلانات الموجهة للمُستخدمين عبر شبكة الإنترنت فالإعلانات تُمثل حوالي 98 % من عوائد فيسبوك و87 % من إيرادات جوجل وللشركتين كنوزاً دفينة من ملايين البيانات الحيوية المجنية من المُستخدمين والمُستغلَّة في توجيه الإعلانات لهم تبعاً لتفضيلاتهم للخدماتِ والمُنتجات بالإضافة إلى قُدرة الشركتين على تحصيل بيانات تصفح الإنترنت كُله في العالم الحقيقي . أما في نظيرهِ الرقمي، تتطلّب حِزم البيانات الكُبرى جرداً مُستمراً وتفقد قيمتها بمُجرَّد أن يعتريها القِدم . أما عن مكمن المُعضلة فهو في قُدرتهما اللامُتناهية والفائقة لتوقعات المُستخدمين في جمع البيانات عبر تصفح الإنترنت ما يُمكِّن الشركتينِ من التحكُّم بالمحتوي المعروض الذي يُمثل جوهر عملية التصفح، ما يُبيح لهم التأثير على التصفُّح ككل وتحويل هذا التصفُّح إلى عوائد مالية ضخمة تتزايد بمرور اللحظات . مما سبق يتضح لنا أن عِملاقي التكنولوجيا الاحتكاريين يستخدمان خاصية الــ junk mail الخاصة بحِقبةِ التسعينيات لجني ثرواتٍ طائلة ولكن في ثوبٍ جديد يليقُ بالقرن الحادي والعشرين . و توضِّح الشركتانِ في إقرارت ذممها المالية أمام لجنة سوق المال الأمريكية أن تجارتيهما تعتمدان على الإعلاناتِ الموجهة كتكلفةٍ فعَّالة وكمصادر تمويل ولذا فإن أية تغيير بسيط في سياسات الخصوصية وملكية البيانات سيضرُّ حتماً بحجمِ تجارتيهما ضرراً بالغاً . وعليه فإنَّا نجِد أنفُسنا كبشر مُكبَّلين تحت وطأة أكثر وكالات إعلانية مشبوهة تُعزِز نماء ثرواتها بجمع البيانات بطريقٍ تلاعبيٍ يبعثُ على القلق الشديد تسلكه اثنتين من أقوي شركات العالم تدفعُ مبادئها الأخلاقية المُريبة سوق التكنولوجيا نحو المزيدِ من التلاعب مؤثرةً عليه بالسلب يحدو بأصحاب رأس المال الاستثماري والشركات الصغيرة للدخول في سباقٍ طاحن وسريع الوتيرة لبناء تكنولوجيا مُشابهة تترسخ دعائمها على المزيد من المُراقبة الآلية للمُنتفعين بها في التستُّر والخفاء دون إعلامهم برصد أقل تحركاتهم وقعاً !! ويظلّ صعود هذين الكيانين الاحتكاريين داعياً لبسط تحديات أكثر وعورة أمام كافة المُجتمعات الإنسانية وبخاصة الديمقراطيات التي تُعاني لحماية حُرية رعاياها من التلصُّص وتحديداً مع زيادة ميل الأفراد للانكفاء على أجهزتهم مُنكبين عليها يستقون منها أخبارهم، ويصيغون آرائهم، ويُشكلون فَهمهم للواقع بينما الصحافة الحقيقية تندثر ويُصبح من الصعب تمويلها . أما مع خُسران الأفراد للمساحات الخاصة لطرح السؤال والاستفهام، والمُخابرةِ والتفاعل فيما بينهم. وهنا بمعيِّةِ ما تقدَّم ذكرهُ يقع على عواتقنا الانخراط في مُسائلةٍ حادةٍ للنفس عن ماهية المُجتمع الذي نبتغي تركه للأجيال اللاحقة بغضِّ النظرِ عن مُجريات العملية السياسية .
  • معاملاتك المالية

    أمر الله بالسعي في الأرض لطلب الرزق ورغّبفي ذلك ويتضح ذلك في أمور : فقد نهى عن سؤال الناس المال ما دام الإنسان قادراً على العمل والكسب بجهده وعمله، وأخبر أن من سأل الناس المال وهو قادر على العمل والكسب فإنه يخسر مكانته عند الله وعند الناس فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تزال المسالة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم" (البخاري 1405، مسلم 1040) . و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن أنزلها بالله عز وجل أوشك الله له بالغنى " (أحمد 3869، أبو داود 1645) . كل الأعمال المباحة أعمال مشرفة لا عيب فيها . كل المهن الصناعية والخدمية والاستثمارية أعمال مشرفة لا عيب فيها ما دامت في نطاق المباحات، وقد جاء في الشرع أن الأنبياء كانوا يعملون في مهن أقوامهم المباحة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم" (البخاري 2143)، وكان زكريا نجاراً (مسلم 2379)، وهكذا بقية الأنبياء كانوا يعملون في أمثال تلك المهن . أن من أحسن نيته في عمله يريد الإنفاق على نفسه وعائلته، وكفهم عن الاحتياج للناس، ونفع المحتاجين، كان مأجوراً على عمله واجتهاده . الأصل في المعاملات : الأصل في جميع التعاملات المالية من بيع وشراء واستئجار وغير ذلك مما يتعامل به الناس ويحتاجون إليه: الإباحة والجواز، إلا ما استثني من المحرمات لذاته أو لطريقة كسبه . المحرم لذاته : وهي المحرمات التي نهى الله عنها لذاتها فلا يجوز الاتجار بها ولا بيعها ولا شراؤها ولا إيجارها أو العمل في إنتاجها ونشرها بين الناس . أمثلة لما حرمه الإسلام لذاته : الكلب والخنزير . الحيوانات الميتة أو جزء من أجزائها . الخمور والمشروبات الكحولية . المخدرات وكل ما يضر بالصحة . أدوات إشاعة الفاحشة بين الناس كالأشرطة والمواقع والمجلات الإباحية . الأصنام وكل ما يعبد من دون الله. المحرم لكسبه : وهو المال المباح في أصله ولكن التحريم دخل عليه بسبب طريقة كسبه التي تضر بالفرد والمجتمع، فحرمت لذلك السبب، وأسباب التحريم في المعاملات هي : الربا، الغرر والجهالة، الظلم، القمار والميسر .
  • تقنيات السيارات في 2017: الذكاء الاصطناعي يتقدم

    بقلم: احمد نوح اعتدت منذ الصغر على مشاهدة أفلام الخيال العلمي، والتي اشترك أغلبها في محاولة تخيل السيارات مستقبلًا. فالبعض ذهب للأضواء المبهرة والتصميم الانسيابي الجذاب، والبعض تخلص من العجلات والالتزام بالطرقات ورأى أن السيارات ستطير، وآخرون توقعوا قدرات خاصة تتضمن القيادة الذاتية، أو قدرة السيارة على التحدث، أو حتى مطاردة المجرمين والكشف عنهم. ومع كل هذه الأفلام والأفكار، ظل السؤال يراودني، عن مدى جدية وقابلية هذه الأفكار على التحقق، وتطلبت الإجابة قرابة العشرين عاما، لأدرك أن خيالنا كان محدودًا، وأن ما وصلت له السيارات اليوم، يتخطى ما حلمنا به بكثير. ولأطلعكم على ما أوصلني لهذه القناعة، دعوني أعرفكم على أبرز التقنيات والابتكارات التي وصلت لها السيارات خلال هذا العام، ليس على سبيل الحصر، ولكن ما أراه منها سيغير وجه الصناعة، وسيؤثر على كل السيارات مستقبلًا. السيارات الكهربائية سيارة تسلا في محطة الشحن الكهربي الوقود الحيوي يسيطر على كل شيء، ولكنه محدود وسيختفي من العالم يومًا ما، وهو ما جعل السؤال قائمًا كل يوم، ما هي الطاقة البديلة التي يمكن أن تستخدمها السيارات؟ وسط الصراع بين الخلايا الهيدروجينية، والطاقة الشمسية، استطاعت الكهرباء أن تقطع الشوط الأطول، وأن تفرض وجودها في صناعة السيارات، وخاصة بعدما أثبتت تسلا أن فكرة السيارة الكهربائية عملية وقابلة لتلبية الاحتياجات اليومية، وهي خطوة لم يسبقها إليها أي من شركات السيارات.فمدى القيادة، وأفضلية الأداء التي توفرها السيارات الكهربائية، جعلها مرغوبة بشدة، وبات تحقيق هذه الرغبات أقرب للواقع، خاصة مع ظهور سيارات أقرب سعرًا للمستهلكين كسيارةتسلا 3المنتظرة، والتي تعد خطوة قوية في توسع هذا القطاع من السيارات مستقبلًا. القيادة الذاتية سيارة ذاتية القيادة من هيونداي يعد هذا الحلم الأكثر طلبًا بين كافة تقنيات هذا المقال، فقد ظهرت الفكرة في الكثير من الأفلام والروايات، وراودت ملايين من محبي السيارات والمستقبل.فمع الأرقام الكبيرة للوفيات على الطرقات كل عام، ومع التطور التقني الكبير في قطاع السيارات، والصعوبات التي يواجهها الكثيرون في التنقل بالسيارة جراء إعاقة بدنية، أو مشكلة ما تتعلق بالقيادة، وجدت القيادة الذاتية موضع قدم على خطط التطور في صناعة السيارات، وباتت تطورًا أسرع كثيرًا من أي وقت مضى،رغم بعض المشاكل الأخلاقية التي مازالت تواجه التقنية. فهناك الكثير من السيارات اليوم، يمكنها القيادة ذاتيًا على الطرقات السريعة، واتخاذ كافة القرارات اللازمة دون تدخل من السائق. وهناك عشرات الشركات التي تختبر سيارات ذاتية القيادة يوميًا على الطرقات العامة، حتى أن هناك سيارات متاحة للبيع قد وصلت بالفعل للقدرة على العمل في نطاق جغرافي معين دون وجود سائق داخلها .. على الإطلاق. مزيد من الأعين ظلت فكرة استخدام الكاميرات في السيارات لسنوات طويلة مجرد استعراض للعضلات التقنية، ولم نكن نرى مثل هذه التقنيات إلا في السيارات التجريبية التي تظهر خلال المعارض الدولية، إلا أن الأمر تطور لمرحلة أكثر واقعية. فالكاميرات أصبحت جزءًا أساسيًا من منظوم الأمان في السيارات اليوم، سواء كاميرا الرجوع للخلف التي تعرض لك ما خلف السيارة، وكاميرات مراقبة التقاطعات، التي تثبت على الطرفين الأماميين للسيارة لتعرض لك التقاطعات دون الحاجة لأن تقتحم التقاطع بسيارتك لترى السيارات المقبلة. كذلك تأتي الكاميرات لتعرض لك رؤية 360 درجة حول السيارة، لتساعدك على الاصطفاف في المناطق الضيقة، وتساعدك على المناورة بسيارتك في المناطق الوعرة. وليس هذا فقط، فالكاميرات باتت تمتد بأنواع مختلفة لترصد ما هو أمامك وتحذرك ما إذا اقتربت من عائق ما، أو تستعرض لك الطريق بالأشعة تحت الحمراء لتحسن من الرؤية الليلية، أو حتى تتابع جانبي سيارتك وتحذرك إذا كان هناك سيارة في المنطقة العمياء للرؤية على جانبي سيارتك. دعم الهواتف لم تكن علاقة هاتفك بالسيارة علاقة وطيدة حتى فترة قريبة، إلا أن أنظمة ربط الهواتف بالسيارات باتت أكثر تطورًا، وبخاصة مع ظهور نظاميApple Car PlayوAndroid Auto. فهذه الأنظمة أصبحت تنقل كافة خواص هاتفك إلى النظام المعلوماتي للسيارة، لتنحي الهاتف جانبًا وتتحكم في كل شيء من خلال السيارة، سواء وظائف الهاتف الاعتيادية، أو الوسائط المتعددة، أو الخرائط، أو حتى التطبيقات على الهاتف، لتعكس كل ما يجري على شاشة الهاتف إلى نظام السيارة المعلوماتي، وهو ما يسهم بشكل مباشر في تنحية الهاتف جانبًا، ومنحك القدرة على التركيز خلال القيادة. تطبيق للسيارة الفكرة الأكثر بروزًا في ربط الهاتف بالسيارة، هي ابتكار تطبيق يربط هاتفك بالسيارة وأنت خارجها، كما هو الحال مع سيارات تسلا وبعض الطرازات الأخرى. فالآن سيارتك لا تحتاج لمفتاح، بل ستتعرف على هاتفك عن طريق البلوتوث ومن ثم تفتح الأبواب، كذلك يمكنك تشغيل السيارة عن بعد، وضبط درجة الحرارة داخل المقصورة قبل أن تصل للسيارة، وحتى معرفة موقعها بالتحديد وتشغيل آلات التنبيه لتجدها بسهولة إذا ما ضللت الطريق. الخطوة الأكثر تقدمًا هي إخراج السيارة من موضع اصطفافها لتسهيل عملية الركوب، إذا ما كانت المساحة ضيقة، أو حتى إدخالها في مساحة ضيقة لا يمكنك الوصول إليها وأنت في الداخل. التحديثات الدورية لم تكن السيارات يومًا تتمتع بفكرة التحديثات الدورية. فعلى عكس الأجهزة الإلكترونية، تباع لك السيارة بمواصفات محددة، لن تتغير ولن تتطور حتى تقرر التخلص منها، وهو ما تغير اليوم، وأصبحت الشركات تجري تحديثات على أنظمة تشغيل السيارة الإلكترونية، لتغير من قدراتها ومن تجهيزاتها. فتسلا من جديدوكأنهم رعاة هذا المقال- قد أصبحوا روادًا في إرسال التحديثات لسياراتهم على الهواء وهي تسير على الطرقات، كل ما يتطلبه الأمر اتصال بالإنترنت، والسيارة تتولى بقية المهمة، ليصلك تحديث جديد يحسن من قدرات (محدودة) لدى سيارتك. تمامًا كما حدث في موسم الأعاصير الأمريكي الأخير،حين أرسلت تسلاتحديثًا لملاك سياراتها في ولاية فلوريدا قبيل وصول الإعصار ارما، لتعزز من مدى السيارات بمقدار 48-64 كم عن المدى المعتاد، لتساعدهم على الخروج من منطقة الخطر في أسرع وقت ممكن، ومن ثم أعادت المدى إلى حدوده الطبيعية بعد استقرار الوضع في فلوريدا. مزيد من الشاشات قضت صناعة السيارات عقدها الماضي كاملًا تحاول وضع المزيد من الأزرار، ومزيد من الإضاءات، ومزيد من العدادات، لتجعل السيارات تبدو أكثر تطورًا، وأكثر تجهيزًا، وتبرز قدراتها الخاصة. إلا أن الأمر قد انقلب، واليوم تسيطر الشاشات على كل شيء، وتختفي كل الأزرار داخل أنظمة جديدة تستجيب للمس وللأوامر الصوتية، وهو ما فتح الباب أمام المصممين للتغيير والتطوير. فبدلًا من العدادات التقليدية، أصبحت شاشة تستعرض تصميمًا للعدادات، يتغير لونه وتصميمه مع وضعيات القيادة المختلفة، ويغير من المعلومات حسب أولويات السائق، وقد يتلقى تحديثًا يغير تصميم كل شيء في لحظات، وكأنك استبدلت سيارتك بأخرى جديدة ولم يكلفك الأمر إلا مجرد تحديث جديد من الإنترنت. كذلك بات كل شيء تقريبًا قابلًا للتغيير بأوامر صوتية، كونه مدمجًا داخل النظام المعلوماتي للسيارة، وهو ما يمنحك المزيد من القدرة على التركيز خلال القيادة. رفيقك المساعد السيارات الآن باتت أكثر ذكاء من أي وقت مضى، حتى وأنت ما زلت أمام عجلة القيادة، وما زلت تظن أنك تتحكم في السيارة بالكامل، هناك مئات العقول الإلكترونية تراقبك وتساعدك لتمنحك المزيد من الأمان، والمزيد من الثقة في مهاراتك القيادية. فالسيارات الآن أصبحت تعرف ما إذا ضغطت على بدال المكابح بطريقة طارئة أم لا، لتمنحك كامل قوة الكبح حتى قبل أن تصل قدمك إلى نهاية البدال، فيما يعرف بنظام مساعد الكبح (Brake Assist). وتساعدك على الانطلاق في أسرع زمن ممكن دون إهدار للقوة ودوران العجلات حول نفسها، فيما يعرف بنظام المساعدة في الجر (Traction Control). وتعرف حينما تفقد السيارة تماسكها، أو تنزلق، أو تخرج عن المسار الذي توجهها له، فتقطع القوة عن العجلات، وتكبح إحداها وتترك الأخرى، وتتلاعب بقوانين الفيزياء لتعيد لك التحكم في السيارة وتعيدها لمسارها، فيما يعرف بنظام الثبات الإلكتروني (Electronic Stability Program). وتعرف حينما تبدأ الحركة على مرتفع، فتمسك بالسيارة كي لا تعود للوراء حتى ترفع قدمك من على بدال الكبح، وتضغط على بدال السرعة، فيما يعرف بنظام المساعدة على بدء الحركة في المنحدرات (Hill Start Assist).وتعرف حينما تكون على منحدر وتجذبها الجاذبية لتسير بسرعة، وتخاف أن تنحدر خارج سيطرتك، فتكبح عجلاتها بشكل منظم كي لا تنزلق ولا تشغل بالك بالسرعة، لتترك لك فقط مهمة التوجيه، وهو ما يعرف بنظام المساعدة في النزول من المنحدرات (Down Hill Brake Control).وتراقب لك جانبي سيارتك كي تحذرك من وجود أي سيارة في نقاط الرؤية العمياء، عبر نظام مراقبة النقاط العمياء (Blind Spot Assist). ويمكنها تتبع السيارة أمامك والحفاظ على مسافة ثابتة بينكم سواء أسرعت السيارة أمامك أو خفضت من سرعتها، مع عدم تخطي السرعة القصوى التي تحددها، وهو ما يعرف بمثبت السرعة التفاعلي (Adaptive Cruise Control). وكذلك تراقب الحارة المرورية وتحذرك إذا خرجت عنها، وتعيدك داخلها في بعض السيارات، وهو ما يعرف بنظام مراقبة الحرارة المرورية (Lane Departure Assist) ونظام المقود المساعد (Active Steering). كل هذه أنظمة متوفرة في سيارات اليوم وأكثر، كانت يومًا ما خيالًا علميًا، وباتت حقيقة، ومنها سيخرج المزيد من الأنظمة التي ستغير عالم السيارات إلى الأبد. فهل ما نتوقعه اليوم سيصبح ساذجًا أمام ما سنصل له في المستقبل؟ دعونا نتابع ونرى.
  • القصة الزائفة للنهضة الاقتصادية الأفريقية

    بقلم: محمد شخبة منذ بضعة أعوام، كانت المؤسسات المالية والبنوك الاستثمارية تحتفي بما يسمى النهضة الاقتصادية الأفريقية، من خلال سمفونية من المديح والإطراء، بصورة تثير قلق أي زعيم أو حتى مواطن أفريقي يتميز بالعقلانية. ولكن ماذا كانت تعني تلك المؤسسات عند حديثها عن النهضة الأفريقية؟ لقد كانوا يشيرون ببساطة إلى الناتج المحلي الإجمالي للدول الأفريقية، وهو مؤشر تقليدي للنمو الاقتصادي، والذي كان ينمو في تلك المنطقة (في المتوسط) بوتيرة أكبر بالمقارنة بالمناطق الأخرى من العالم، فمن بين أعلى عشر دول من حيث معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي في عام 2012، كانت خمس دول منها أفريقية، حيث تصدرت ليبيا القائمة بتسجيل نمو غير طبيعي يبلغ 124%، ثم تلتها سيراليون بنسبة 15.2%، وزيمبابوي بنسبة 13.6%، والنيجر بنسبة 11.8%، وساحل العاج بنسبة 10.1%. وفي عام 2013، سجلت جنوب السودان أفضل نمو للناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا، بمعدل نمو يبلغ 29.3%، كما شملت قائمة الاقتصاديات الأفريقية سريعة النمو أنجولا وتشاد وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ولكن الناتج المحلي الإجمالي لا يشير إلى قوة الاقتصاد الحقيقية، ناهيك عن استدامة هذا الاقتصاد أو التأثير الإجمالي على رفاهية المواطنين، إذ يدل الناتج المحلي الإجمالي على استهلاك السوق فقط، ولكنه اتخذ، بشكل غير مناسب، كمعيار لتقييم أداء الاقتصاد. فقد دفع إعادة إعمار ليبيا بعد الحرب الأهلية نمو الناتج المحلي الإجمالي بها بقوة، وبالمثل، فإن بناء الاقتصاد في جنوب السودان من لا شيء سيؤدي طبعاً إلى تسجيل نمو صاروخي، فالاقتصاد في هاتين الدولتين يتعافى من الدمار الشامل، إذ سجل النمو في الناتج المحلي الإجمالي الليبي نسبة -66% في عام 2011، بينما سجل جنوب السودان -52% في 2012، ولكن النمو في هاتين الدولتين كان قصير الأجل كما هو متوقع، إذ تحول الناتج المحلي الإجمالي في ليبيا إلى قيمة سلبية في عام 2013، وكذلك كان الحال في جنوب السودان بعد ذلك بعام. وفي عام 2013، حذّرت من الاحتفاء بما سُمي المعجزة الاقتصادية النيجيرية، في الوقت الذي كان فيه اقتصاد البلاد على وشك أن يصبح أكبر اقتصاد في القارة، وأشرت وقتها إلى أن التوسع في الاقتصاد النيجيري توسع مؤقت وغير مستدام ويعاني بشدة من عدم المساواة، الأمر الذي سيؤدي إلى صراع اجتماعي وركود طويل الأمد، ووقتها سخر من توقعاتي معظم وسائل الإعلام والشركات وعدد من الزملاء، ولكن الوقت أظهر صواب توقعاتي، فقد كان نهج نيجيريًا لتحقيق النمو الاقتصادي مدمرًا لذاته، ولا عجب أن تسقط نيجيريا في ركود اقتصادي هو الأسوأ في القارة الأفريقية. وتستمر قائمة كوارث النمو الاقتصادي في القارة، ففي عام 2016، لم يتبق إلا دولتان أفريقيتان فقط في قائمة أفضل عشرة دول من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وهما إثيوبيا وساحل العاج. ولكن بدلاً من التفكير النقدي في السبب وراء حدوث تلك الكوارث، فإن السياسيين الأفريقيين يضعون رءوسهم في الرمال ويأملون في المزيد من النمو، وهذا سلوك خطر للغاية، خاصة في ظل الاقتصاد العالمي الذي يعاني من تباطؤ كبير في النمو في كل بقاع العالم تقريبًا، وبالتالي تتضاءل فرصة أفريقيا لتسجيل نمو اقتصادي مجددًا في المستقبل المنظور. غياب التفكير النقدي توجد أسباب هيكلية مهمة تبرر التشكك في خطاب النهوض الاقتصادي الأفريقي، إذ تعتمد غالبية الاقتصاديات الأفريقية سريعة النمو بقوة على الصادرات من السلع الأساسية والاستثمارات الأجنبية المباشرة، مما يجعل تلك الاقتصاديات عرضة للتقلبات في الأسواق العالمية، بالإضافة إلى إعطاء مؤشرات غير حقيقية حول الدخل القومي، إذ تُضاف أرباح الشركات الأجنبية إلى الناتج المحلي الإجمالي، ولكن تلك الأرباح لا تبقى داخل البلاد غالبًا. وبدلاً من الاهتمام بما إذا كانت الاقتصاديات الأفريقية تنهض أم لا، ينبغي أن ينصب التركيز على كيفية تحقيق الرفاه للشعوب الأفريقية، وهما أمران مختلفان للغاية، إذ تكمن مشكلة النموذج الحالي للنمو الصناعي في القارة في أنه يصب في مصلحة الاقتصاد الرسمي على حساب الاقتصاد غير الرسمي، وفي مصلحة الشركات الكبرى على حساب الأعمال الصغيرة، وفي مصلحة البنية التحتية المركزية على حساب اللامركزية، وفي النهاية سيؤدي ذلك النمو إلى المزيد من انعدام المساواة والدمار البيئي. تحتاج الدول الأفريقية إلى صناعات تعتمد على العمالة الكثيفة، بدلاً من تمركزها في مناطق صناعية كبيرة، إذ ستكون أفريقيا القارة الوحيدة التي ستشهد نمواً بمتوالية هندسية في عدد السكان خلال العقود المقبلة، وبالتالي ستواجه أزمة بطالة ضخمة. ويمكن حل تلك المشكلة من خلال شبكات موسعة من الشركات الصغيرة، وهو القطاع الذي يتيح فرصًا حقيقية للوظائف الجيدة، كما يجنب الاقتصاد هيمنة بضع شركات عملاقة عليه، خاصة وأنها تستهدف دائمًا تقليل الوظائف وتعتمد بازدياد على التصنيع الآلي. وأشارت لجنة تقدم أفريقيا (Africa Progress Panel)، وهي هيئة بحثية برئاسة كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، إلى الدور الحيوي الذي يمكن أن يلعبه صغار المزارعين لتحقيق الأمن الغذائي الأفريقي، كما نوهت إلى أن المزارع الصغيرة تضمن وظائف مستدامة للسكان، وإلى الحاجة للتحول بعيدًا عن البنية التحتية التي تعتمد على الوقود الكربوني إلى الطاقة المتجددة، وإعادة توزيع عوائد النمو الاقتصادي بدلاً من استئثار الطبقات العليا به. وأشار تحليل اللجنة إلى ضرورة تملك الشعوب سبل إنتاج الطاقة، بحيث يمكن وصول الطاقة المتجددة إلى الطبقات الفقيرة والأشد عوزًا في أفريقيا بطريقة تؤدي إلى انخفاض أسعار الطاقة، وتُحفّز قيام الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتتيح المزيد من فرص العمل وتقلل المخاطر الصحية الناتجة عن التلوث. الابتكار يفتح طريقًا جديدًا توجد أمثلة عديدة لمبتكرين أفارقة استخدموا تكنولوجيا الاتصالات الحديثة لدعم شبكات الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر، فشركات الهواتف المحمولة منتشرة بكثرة في أنحاء أفريقيا، مما يعني وجود فرصة غير مسبوقة لتحسين التنسيق بين المنتجين والمستهلكين، والتخلص من الوسطاء وهيمنة شركات التجزئة الكبرى، وعلاوة على ذلك، فإن التطورات التكنولوجية الأخرى، مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد وإنتاج الطاقة من خلال شبكات صغيرة مدعومة بمصادر الطاقة المتجددة منح الشركات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر قدرة أكبر على المنافسة، وسيهيمن الإنتاج حسب الطلب على الأنشطة الاقتصادية، سواء الزراعية أم الصناعية، بدلاً من الإنتاج الكثيف في المستقبل. ويمكن تلخيص هذه الرؤية في مقولة جو كراوس، أحد رواد فترة ازدهار الشركات التي تعمل في مجال الإنترنت في أواخر التسعينيات، بأن توافر التكنولوجيات الصناعية الحديثة التي تؤدي إلى تنوع الإنتاج وفتح أسواق متعددة أمام المنتجين المحليين، ستفتح الباب أمام لا مركزية الاقتصاد بشكل أكبر من ذي قبل، وأضاف: لقد تمحور النشاط الاقتصادي في القرن العشرين حول حفنة صغيرة من الأسواق التي تملك ملايين المستهلكين، ولكنه سيتمحور في القرن الحادي والعشرين حول ملايين الأسواق التي تملك حفنة صغيرة من المستهلكين. إن أفضل فرصة لتحسين استدامة الاقتصاد الأفريقي هي بناء اقتصاد جديد على شبكات من الشركات الصغيرة، تعمل في أعمال حرفية مختلفة عن نظيرتها فيما قبل العصر الصناعي، بالإضافة إلى شبكات متكاملة من المزارع المملوكة لصغار الملاك، كما سيخلق ذلك الملايين من فرص العمل الكريمة ذات العائد الجيد التي تطمح لها الشعوب الأفريقية.
  • السوريون المجنسون، ما هي حقوقهم وواجباتهم ومخاوفهم؟

    بعد أن كان الحديث عن حصول السوريين في تركيا على الجنسية التركية من قبيل الإشاعات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي, وحلماً بالنسبة للكثير، أصبح هذا الحلم اليوم حقيقة للآلاف من السوريين في تركيا الذين حصلوا على الجنسية التركية مؤخراً، وأصبحوا مواطنين أتراك، لهم من الحقوق ما لهم، وعليهم من الواجبات ما عليهم، وفق ما يقتتضيه مفهوم المواطنة والانتماء لدولة ما. فما هي أبرز تلك الحقوق والواجبات التي تقع على عاتق السوريين المجنسين حديثاً؟.. الإجابة على هذا السؤال الذي يؤرق اليوم الكثير من السوريين ممن حصل على الجنسية أو بصدد الحصول عليها دفعت اقتصاد للاتصال بعدد من الخبراء والحقوقيين في تركيا للحديث بشكل تفصيلي عن ماهية تلك الحقوق والواجبات. بداية يرى الدكتور وسام الدين العقلة، الأستاذ المساعد في كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة ماردين ارتقلو، أنه لا فرق ولا اختلاف بين أي شخص يحصل على الجنسية التركية بالطرق العادية لاكتساب الجنسية التركية كالزواج أو الإقامة أو الأصول التركية، وبين السوريين الذين اكتسبوا الجنسية التركية بصورة استثنائية مؤخراً بموجب قرارات تجنيس استثنائية من الحكومة التركية، إلا من حيث طريقة اكتساب الجنسية التركية. ويتمتع السوري المجنس حديثاً، بحسب الدكتور العقلة، بجميع الحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية التي يكفلها الدستور التركي للمواطنين الأتراك من حق الانتخاب والترشح وتقلد الوظائف العامة والعمل وحق تملك العقارات والسيارات والتنقل بحرية داخل تركيا والحق في مراجعة دوائر النفوس لاستصدار الهويات الشخصية وجوازات السفر وتسجيل حالات الزواج والولادات والوفيات ومراجعة المحاكم المختصة على كافة أنواعها. ومقابل تلك الحقوق، يقع على عاتق السوري المجنس واجبات تجاه المجتمع والوطن الجديد الذي يحمل جنسيته وهو احترام الدستور والقوانين المختلفة والعمل بأحكامها، وواجب الدفاع عن البلاد من خلال أداء الخدمة العسكرية وهو ما يعتبر اليوم مثاراً للتساؤل عند بعض السوريين المجنسين على صفحات التواصل الاجتماعي، ويعتبره البعض منهم أحد المخاوف. الدكتور العقلة قال لـ اقتصاد، إنه إلى الآن لم يتم استدعاء أي سوري مجنس لأداء الخدمة العسكرية في مؤسسات الجيش التركي، لكن كقاعدة عامة، السوريون بين 20 و38 سنة، مكلفين بأداء الخدمة العسكرية في تركيا ما لم يكونوا قد أدوها في سوريا سابقاً قبل لجوئهم لتركيا. أو بدفع بدل مادي يقدر بـ 6000 يورو ضمن شروط خاصة. وفي حال تجاوز الشخص الـ 38 عاماً، فإنه يُعفى منها حكماً حتى لو لم يؤدها في بلده. وتتراوح مدة الخدمة الإلزامية بين (12- 15) شهراً حالياً، بعد التعديل الأخير في عام 2014. ويجوز تمديدها إلى 18 شهراً في حالات الطوارئ والحرب. أما المحامي حيدر هوري، عضو الهيئة الاستشارية في تجمع المحامين السوريين في تركيا، فيقول إنه وفقاً لمعلوماته، كل من دخل تركيا واستصدر بطاقة الحماية المؤقتة وعمره فوق 22 عاماً، لا يؤدي الخدمة العسكرية، كما أن من لديه ما يثبت أدائه الخدمة العسكرية في سوريا، لا يخدم في تركيا، وذلك لوجود بروتكول ينظم ذلك الأمر بين البلدين. في حين يرى المحامي غزوان قرنفل، رئيس تجمع المحامين السوريين في تركيا، أن حصول السوري على الجنسية التركية ينقله من وضع الحماية المؤقتة التي كان يتمتع بها إلى وضع المواطنة، ويجعل منه مواطناً تركياً ينطبق عليه ما ينطبق على المواطنين الأتراك في معاملاته وقضاياه الشخصية من زواج وطلاق وميراث، لذلك عليه تعلم اللغة التركية وفهم القوانين التركية لمعرفة حقوقه وواجباته التي أهمها واجب الدفاع عن البلاد، حيث ينظر المجتمع التركي بازدراء لمن لم يؤدي الخدمة العسكرية أو تهرب منها، والتي تعتبر واجباً مقدساً في تركيا. فيما أثارت خطوة الحكومة التركية ببدء إجراءات تجنسيها للطلاب السوريين الذين يدرسون في الجامعات مخاوف لدى بعض هؤلاء الطلاب حول مصير المنحة المالية المقدمة لهم من الحكومة التركية خلال سنوات دراستهم. وبحكم عمله كأستاذ في جامعة ماردين أرتقلو، أكد الدكتور العقلة أن تجنيس الطلاب السوريين الذين يدرسون في الجامعات التركية يأتي في إطار خطة الحكومة التركية للاستفادة من هؤلاء الطلاب مستقبلاً للمساهمة في نهضة المجتمع التركي. وقلل العقلة من مخاوف الطلاب المجنسين حديثاً والذين استفادوا من منحة (تورك بورسلار) وخشيتهم من أن يفقدوا المنحة في حال تجنيسهم، قائلاً إنه في حال حصول الطالب على المنحة قبل صدور قرار التجنيس، فإنه يبقى مستفيداً منها، أما في حال كان مرسوم التجنيس سابقاً لتقديمه على المنحة، فهو لا يستفيد منها لأنه أصبح طالباً تركياً وليس أجنبياً. كما أن حصول الطلاب على الجنسية التركية سيفتح الباب أمامهم للاستفادة مستقبلاً من المنح التعليمية الخاصة بالطلاب الأتراك فقط كمنحة (أراسموس) التي يستفيد منها الطلاب الأتراك للدراسة في جامعات دول الإتحاد الأوروبي. كما برز إلى السطح تساؤل آخر، وهو مصير بطاقة الحماية المؤقتة (الكملك) وما كان يحصل عليه السوري، بموجبها، من خدمات ومعونات، إذا ما بات يحمل الجنسية التركية. المحامي غزوان قرنفل أوضح لـ اقتصاد أن انتقال السوري في تركيا من وضع الحماية المؤقتة إلى وضع المواطنة يعني فقدانه لكل الخدمات الاجتماعية والصحية والمعونات المالية التي كانت تقدم له بصفته لاجئاً تحت الحماية المؤقتة، لعدم استحقاقه لتلك الخدمات والمعونات بعد حصوله على المواطنة التي يترتب عليها ترقين قيده ورقم TC الخاص به ويتعين عليه أيضاً الخروج من المخيم في حال كان المجنس من المقيمين في أحد المخيمات التركية. لكن بالمقابل فإن وضعه القانوني الجديد بعد اكتسابه صفة المواطنة يمنحه حقوقاً ومكتسبات جديدة له ولعائلته ومنها الحصول على الضمان الصحي الاعتيادي وفق ما قال المحامي حيدر هوري، عضو اللجنة الاستشارية في تجمع المحامين، وذلك عن طريق الحصول على الكرت الأخضر (يشيل كارت) من خلال دفع مبلغ 54 ليرة تركية شهرياً عن كامل أفراد الأسرة في حال كان الأطفال دون سن 18 عاماً، و54 ليرة تركية إضافية في حال تجاوز أعمار الأبناء 18 عاماً. كما يحق له طلب المعونة الاجتماعية المالية بتقديم طلب إلى مديرية الوقف والخدمات الاجتماعية المعروفة بـ (مديرية السوسيال) في المدينة التي يسكن بها والحصول على المساعدة الاجتماعية ومواد التدفئة للشتاء كالفحم الحجري وذلك بعد إثبات فقر حاله. أما أهم الامتيازات التي يحصل عليها السوري الحاصل على الجنسية التركية هي حقه باستصدار جواز سفر تركي مباشرةً، والسفر كأي مواطن تركي خارج البلاد دون أي منع أو قيد، وهو ما كان شبه مستحيل بصفته سورياً بعد أن فرضت أغلب دول العالم فيزا مقابل دخول السوريين الى أراضيها، بينما يستطيع حامل جواز السفر التركي السفر لأكثر من 80 دولة دون حاجة للحصول على فيزا. وتختلف مدة جواز السفر التركي وفق ما أفاد به المحامي حيدر هوري، وتتراوح بين 6 أشهر إلى 10 سنوات، ويمكن استخراجه خلال ثلاثة أيام بعد تقديم طلب الحصول عليه ودفع الرسوم المالية والتي تقدر بـ 668 ليرة تركية، إذا كانت مدة الجواز عشر سنوات، إضافة لدفع مبلغ 64 ليرة تركية ثمن الدفتر. فيما يُعفى الطلاب من تلك الرسوم. ونوه هوري في حديثه محذراً السوريين الذين اكتسبوا الجنسية التركية من استخدام بطاقة الحماية المؤقتة (الكملك) في معاملاتهم، لأنهم بذلك يستخدمون وثيقة ملغاة بما يعرضهم للمساءلة القانونية. أما الصحفي عبو الحسو، المتخصص بالشأن السوري في تركيا، فقد أشار لـ اقتصاد في سياق الحديث عن تجنيس السوريين الأخير، إلى ما يراه نقطة مهمة، وهو أنه بالرغم من حصول الكثير من السوريين في تركيا على الجنسية التركية بصورة استثنائية فإن الكثير منهم لا يتقن اللغة التركية وهذا سيؤدي إلى تفويت الكثير من الفرص عليهم، وسيكون عائقاً في اندماجهم بالمجتمع التركي، وسيؤدي بطبيعة الحال إلى ردات فعل سلبية من بعض الأتراك ويخلق حساسيات بين الطرفين. كما أن حصولهم على أي عمل يتوجب عليهم دخول مسابقات ومقابلات خاصة في الوظائف الحكومية التي تخضع لمبادئ المنافسة وتكافؤ الفرص وبالتالي عدم معرفة اللغة التركية والقوانين والتشريعات سيفوت على الكثير منهم أو يحرمهم من هذه الفرص المتاحة.
  • الجنرال المسلم "عمر باي" مؤسّس تايوان... جعلها مثال للاقتصاد العائلي

    في بدايات خمسينيات القرن الماضي، عانت تايوان من التضخم الجامح عندما قامت الحكومة التايوانية وقتها متمثّلة بحزب "الكومينتانغ"، بطبع كميات كبيرة من الدولار التايواني، عملة تايوان الجديدة عوضاً عن الين الياباني، ما أظهر بوضوح حاجة البلد لعملة جديدة مستقرّة. قام مؤسّس دولة تايوان الجنرال المسلم "عمر باي"، بجلب جزء كبير من خزينة الامبراطورية الصينية في عهد آخر امبراطور للصين.. من المعدن النفيس واحتياطي من العملات الأجنبية من الصين إلى جزيرة تايوان، ما أسهم في خلق عملة مدعومة باحتياطي كبير من الذهب في تايوان، وفي استقرار الأسعار، والحد من التضخم الجامح. بالإضافة إلى ذلك، ساعد انتقال العديد من النخب الفكرية والتجارية الصينية إلى الجزيرة في سن قانون الإصلاح الزراعي، فعمل على إزاحة الطبقة المالكة المتسلّطة وأفسح المجال لعدد كبير من الفلاحين الذين أسهموا في زيادة الإنتاج الزراعي بشكل دراماتيكي، وإنشاء رؤوس أموال جديدة.. والجدير بالذكر أنَّ الجنرال عمر باي كان وزيراً للدفاع في الصين عام 1938. وتمكنت تايوان من إقامة بنية تحتية صناعية ضخمة، وشبكة اتصالات حديثة، ونظام تعليمي متطور. علاوة على ذلك، أظهرت الخطط الاقتصادية، التي جاءت نتيجة عمل تراكمي أطلقتها العديد من الهيئات الحكومية في فترات متلاحقة، نجاحاً باهراً، مما أدّى إلى نموّ الاقتصاد التايواني. وبلغ إجمالي صادرات تايوان، كنسبة من الصادرات العالمية، أكثر من 2% في عام 1987، أي أكثر من غيرها من البلدان الصناعية الأخرى مثل كوريا الجنوبية، ونما الناتج القومي الإجمالي، كذلك، بنسبة 350% بين عامي 1964 و1984. أما الفجوة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء فقد تقلّصت بشكل ملحوظ، حيث يُظهر مؤشر جيني للعدالة الاجتماعية، في هذا الصدد، تحسن تايوان في سلّم المؤشر، متراجعة من 0.56 في عام 1950 إلى 0.30 في عام 1980، وهو مؤشر يعتبر أفضل من بعض بلدان أوروبا الغربية . وفي عام 1959، أسهم برنامج للإصلاح الاقتصادي مؤلف من 19 بنداً، في تحرير السوق، وتحفيز الصادرات، وتصميم استراتيجية لجذب الشركات الأجنبية ورؤوس أموالها. وفي عام 1964، تم إنشاء منطقة تجهيز الصادرات في "كاوشيونغ"، حيث برزت شركة "جنرال إنسترومينتس" كرائدة في تجسيد تجميع الإلكترونيات في تايوان بغية تصدير منتجاتها إلى الأسواق العالمية. نتيجة لذلك، انتقلت العديد من الشركات اليابانية إلى تايوان مستفيدة من دعم الدولة، وتدني الرواتب، ووجود قوى عاملة متعلّمة. برغم ذلك، بقيت نواة البنية الصناعية لتايوان وطنية إلى حد كبير، حيث تألفت من عدد كبير من الجمعيات العائلية الصغيرة والمتوسطة الحجم التي حصلت على دعم حكومي على شكل إعانات وقروض. ظهرت معظم هذه الجمعيات، لأول مرة، في المناطق الريفية القريبة من المناطق الحضرية، حيث تشاركت الأسر في العمل في الورش الصناعية التي تمتلكها، ما مكّن أصحاب هذه المشاريع في منطقة "تشانجوا"، في عام 1988، من إنتاج ما يقرب من نصف عدد المظلات في العالم. بالإضافة إلى ذلك، أسهمت سياسة الدولة، المتمثلة في جذب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية وتسهيل الوصول إلى الأسواق العالمية، في إبرام شركات أجنبية كبرى عقوداً تجارية مع شبكة ضخمة من الشركات الوطنية صغيرة الحجم التي أصبحت تشكل نسبة هامة من الإنتاج الصناعي للدولة. وتحقّق الجزء الأكبر من التنمية الاقتصادية في تايوان بفضل المرونة الكبيرة التي أظهرتها الشركات العائلية بتعاملها مع التجار الأجانب، ما أدى إلى إنشاء شبكات من التجارة الدولية بمساعدة وسطاء. واليوم، أصبحت تايوان قوة اقتصادية يعتدّ بها، مع اقتصاد ناضج ومتنوّع، واحتياطات ضخمة من النقد الأجنبي، ووجود قوي في الأسواق الدولية، حيث أصبحت شركاتها قادرة على تدويل إنتاجها، والاستثمار بكثافة.. خاصّةً في آسيا وفي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
  • "محمد الفاتح"..شخصية عظيمة قبل وبعد مماته

    بعد 14 محاولة اغتيال دقت لموته اجراس الكنائس في اوربا تعبيرا عن فرحتها معلنة لقد مات النسر الكبير واختارته مجلة صنداي تايمز تختاره في عام 2004 ضمن أهم 30 شخصية صنعوا تاريخ العالم ! السلطان الغازي "ابي البركات محمد الفاتح"... هو الوحيد من سلالة آل عثمان الذي قاد 25 حربًا بنفسه في ظرف 30 عامًا فقط قضى خلالها على الدولة البيزنطية.. أعتى الممالك في الزمن القديم.. حيث فتح مدينة القسطنطينية العريقة عاصمة الدولة البيزنطية وأطلق عليها اسم "إسلامبول" (أي عاصمة الإسلام.. ولكن قام بعد ذلك أتاتورك وحرَّفَ اسمها إلى استانبول...) كذلك قام محمد الفاتح بتحويل كنيستها ذائعة الصيت أياصوفيا إلى مسجد فخم.. ثم فتح دولتي الصرب والبوسنة والهرسك.. علاوة على فتحه لجميع الأراضي الألبانية... لاحِظْ.. أن محمد الفاتح ظلَّ يحارب لمدة 16 عاماً متواصلةً جيشاً صليبياً مكوّناً من 20 دولة...! وقد احتشد هذا الجيش العرمرم بلغة القدماء بناء على الأوامر التي أصدرها بابا الفاتيكان عام 1463 حيث أعلن أن كل من يشارك في هذه الحرب من الصليبيين ضد الدولة العثمانية سيغفر له الرب ذنوبه لمدة ستة أشهر...! طوال فترة حكمه التي امتدَّت من (1451 - 1481) استطاع محمد الفاتح أن يوسّع من رقعة أراضي دولة الإسلام.. حتى بلغت (2.24 مليون كم2 تقريبا). مع ملاحظة أن مساحتها كانت 900 ألف كيلومتر مربع عندما اعتلى كرسي السلطنة.. أي أقل من مليون كم2... كان محمد الفاتح يمثل شوكة مدبَّبة في خاصرة الدول الأوربيّة.. مما جعلها تتكتَّل ضدَّه.. وتسعى إلى إطاحته بكلّ الوسائل... حتى أنه نجا من 14 محاولة اغتيال دبَّرها له أعداؤه الأوربيون.. إلا أن الطبيب اليهودي يعقوب.. الذي اندسّ ضمن فريق أطباء قصر السلطان استطاع أن ينجز المحاولة الخامسة عشرة بنجاح حيث دسَّ له السم في طعامه فلقي الشهيد بإذن الله تعالى.. محمد الفاتح.. ربَّه يوم 2/2/1481م . آنذاك أمَرَ البابا بدقّ نواقيس جميع الكنائس لمدة ثلاثة أيام ابتهاجًا بموت السلطان العثماني.. الذي يعتبرونه عدوّهم الأول... المدهش أن محمد الفاتح كان يتقن 7 لغات إتقاناً تامّاً.. وكان إدارياً بارعاً مما جعل مجلة صنداي تايمز تختاره في عام 2004 ضمن أهمّ 30 شخصية صنعوا تاريخ العالم...! ومن المفارقات أنه كان المسلم الوحيد بين هؤلاء الثلاثين...!!
  • الزحف الصيني المقدس: كيف احتلت الصين إندونيسيا؟

    ترجع بداية الوجود الصيني في الجزر الإندونيسية إلى زمن بعيد، فقد شهدت البلاد عدة موجات من الهجرة، أبرزها المجموعة التي قدمت بزعامة القائد المسلم "تشينغ هو " الذي أقام مستعمرة صينية إسلامية جنوب جزيرة سومطرة في أوائل القرن الخامس عشر، لكن هؤلاء وأمثالهم ذابوا وسط المجتمعات المحلية، ولعل اندماجهم مع السكان المحليين كان بسبب العقيدة الإسلاميّة المشتركة بينهم . وبعد ذلك بعدّة قرون، في ظل الاحتلال الهولندي تدفَّق الصينيون بأعداد كبيرة إلى البلاد، وأصبحوا وسطاء بين المواطنين الأصليين والمحتلين، ونشطوا في التجارة والأعمال، وانقسم المجتمع إلى ثلاث طبقات؛ الهولنديون في الأعلى، والصينيون البوذيّون في الوسط، والسكان المسلمون الأصليون في الأسفل . وبعد الاستقلال عام 1945، كان يُنظر للصينيين في إندونيسيا على أنهم دخلاء، ووكلاء سابقين للمحتل الهولندي، فقد مكَّنهم المستعمرون الهولنديّون من احتكار التجارة والسيطرة على الاقتصاد، مع أنهم لم يتمتعوا بنفس الامتيازات التي كان يتمتع بها الهولنديون . وفي عام 1960 صادقت الحكومتان الإندونيسية والصينية على معاهدة الجنسية المزدوجة، والتي تنص على إعطاء نحو 2.5 مليون صيني مهلة عامين للاختيار بين الجنسيتين الصينية والإندونيسية، فغادر القليل منهم البلاد، وتنازل غالبيّتهم عن جنسيته الأصلية وحصل على هويات اندونيسيّة وطنية . وخلال فترة حكم الرئيس سوهارتو (1998-1967) ... حافظ سوهارتو على امتيازات الصينيين واحتكاراتهم الاقتصادية، بطريقة لا تجعلهم يشكلون أي تحدٍ سياسي لسلطته، واعتمد عليهم في النهوض الاقتصادي - الذي لم يستفد منه مسلموا اندنوسيا بالطبع - فأحكم الصينيون قبضتهم على القطاع الخاص، برغم نسبتهم الضئيلة التي تتراوح بين 1% و 3% من إجمالي السكان . أحداث 98: الثورة على الصينيين وفي عام 1998 مرت البلاد بأزمة مالية خانقة، تضررت منها الطبقات الفقيرة بشكل بالغ، فعمت الاحتجاجات والفوضى، وفي يوم 14 مايو/آيار 1998 اشتعلت المظاهرات والاحتجاجات ضدّ سوهارتو.. وكذلك استهدفت الصينيين وممتلكاتهم. ورغم الأضرار التي لحقت بهم أثناء أحداث الثورة ضد نظام سوهارتو، فإنها منحتهم حقوقًا وامتيازات حرمهم منها سوهارتو، فقد ألغى الرئيس عبد الرحمن واحد (2001-1999) القوانين التي حدَّت من النفوذ الصيني في بلاده، فألغى القانون رقم 10 لعام 1959، الذي يمنعهم من ممارسة تجارة التجزئة في الريف، وبذلك انفتحت أمامهم الأسواق المحلية على مصراعيها، وألغى الأمر الرئاسي رقم 14 لعام 1967 الذي يحظر الاحتفال بالأعياد الصينية، بل اصطحب بنفسه مجلس الوزراء لحضور الاحتفال ببداية السنة الصينية في فبراير/شباط 2000، لذلك أطلقوا عليه لقب أبو الصينيين الإندونيسيين، باعتبار أنه هو الذي منحهم حقوق المواطنة الكاملة، بل أعلن في عدة مناسبات أنه شخصيًا ينتمي لأصول صينية، دون أن يخشى المزايدة عليه وسط الأغلبية المسلمة نتيجة لهذا التصريح، لأنه كان زعيم أكبر جماعة دينية صوفيّة بالبلاد . وفي عام 2003 قررت الرئيسة ميجاواتي سوكارنو (2004-2001)، اعتبار بداية السنة الصينية عيدًا وطنيًا لعموم البلاد، وفي 2004 عيَّنت ميجاواتي أول وزيرة صينية وهي "ماري بانغيست" التي تولت حقيبة الاقتصاد لمدة سبع سنوات حتى تركتها عام 2011، بعدما تسببت اتفاقية التجارة الحرة التي وقعتها مع بكين في اختلال الميزان التجاري لصالح الأخيرة.. وإغراق إندونيسيا بالبضائع الرخيصة ذات النوغيّات الرَّديئة.. وتسريح العمالة الاندونيسيّة في عدد من المصانع المحلية. لكن المحاولات الحكومية لتغيير الصورة السلبية المأخوذة عن الأقلية الصينية لم تنجح على الإطلاق، فكلمة صيني نفسها كلمة ذات دلالات سيئة على لسان العامة في إندونيسيا، ولا يوجد خط فاصل بين مواطني جمهورية الصين، والمواطنين الإندونيسيين من ذوي الأصول الصينية، فالاثنان يطلق عليهما مصطلح صينيين، حتى أن الرئيس السابق سوسيلو بامبانغ يودهويونو (2014-2004)، أصدر عام 2014، قرارًا بتغيير كلمة تشينا التي تعني صيني في اللغة الإندونيسية إلى تيونغوا وإطلاق اسمتيونغكوك على جمهورية الصين، كمحاولة منه لتغيير المشاعر السلبية المرتبطة بالكلمتين . ورغم التحسن الكبير الذي شهدته العلاقات الثنائية بين البلدين، فإن ظلالًا من الحذر والشكوك تكتنف تلك العلاقات بسبب عدد من الملفات، أبرزها الخلاف حول ترسيم الحدود البحرية حول جزر ناتونا في بحر الصين الجنوبي، واستخدام بكين نفوذها السياسي للتأثير على الأقليات، والعلاقات التجارية غير المتوازنة، التي حولت إندونيسيا إلى مُورّد للمواد الخام إلى الصين، وسوقًا مفتوحة لمنتجاتها المصنعة الرديئة بالطبع، وهي علاقة كلاسيكية على النمط الاستعماري الاقتصادي . وينظر عدد من علماء الدين وقادة الجيش بارتياب وحذر شديدين، إزاء ما يرونه من ارتماء بلادهم في أحضان الصين، وما يترتب على ذلك -في اعتقادهم- من عواقب وخيمة في المستقبل القريب . وقد تداولت وسائل التواصل الاجتماعي خطابًا لقائد الجيش الإندونيسي الجنرال جاتوتنور مانتيو، ألقاه أثناء الاحتفال بالمولد النبوي أواخر العام الماضي، يُحذر فيه من تزايد النفوذ الصيني في بلاده، وخطورة ذلك على الأمن القومي . كذلك تمّ نشرقيديو على مواقع الإنترنت يُظهر قائد الجيش، وهو يتحدّث إلى مجموعة من طلبة الجامعة، ويحذّر من أن نقص الغذاء في الصين قد يدفع بالملايين من مواطنيها للهجرة إلى دول جنوب شرق آسيا، قائلًا إن وزير الدفاع الماليزي أبلغه خوفه الشديد من هذا السيناريو لأنه لن يتمكن حين ذلك من وقفهم، فقال الجنرال الإندونيسي: قلت له إنني لست خائفًا، وإذا جاءوا إلينا، فسيأتون عن طريق البحر، وبمجرد عبورهم للمحيط، سأذبح 10 أبقار في وسط المحيط، وسوف يتجمع سمك القرش بالتأكيد، بعد ذلك سأطلق النار، باستخدام أسلحة خفيفة حتى يتسرب الماء لقواربهم، لتلتهمهم أسماك القرش . أزمة جدار البحر العملاق منذ توليه مهام منصبه في عام 2014، يحاول محافظ جاكرتا النصراني، باسوكي بورناما الشهيربـ آهوك، الذي ينحدر من أصول صينية، بناء مشروع سكني ضخم في العاصمة، عبارة عن إنشاء 17 جزيرة صناعية صغيرة قبالة الساحل، تحت اسم جدار البحر العملاق، بحجة إنقاذ المدينة من الغرق؛ إذ إن الأرض تنخفض بمعدل 25 سم سنويًا، وهو معدل أعلى من أي مدينة في العالم، بسبب اعتماد السكان على استخراج مياه الشرب من طبقات المياه الجوفية، لكن آهوك لجأ لفكرة بناء حاجز البحر العملاق الذي تصل تكلفته إلى 40 مليار دولار،بدلًا من بناء مشروع لتوفير مياه الشرب للمناطق المحرومة في العاصمة، مما أثار انتقادات واسعة ضده؛ إذ ينظر البعض إلى المشروع باعتباره جزءاً من مخطط يهدف لترسيخ الوجود الصيني بالعاصمة، من خلال جلب عشرات الآلاف من الصينيين، إذ إن المباني السكنية المقرر بناؤها ضمن المشروع يتم تسويقها بين الصينيين المقيمين في سنغافورة وماليزيا وهونغ كونغ والصين، كما أن جميع القائمين على المشروع من الصينيين، في حين أن أغلبية المتضررين هم من السكان الاندونيسيين الأصليين، لذا واجه المشروع اعتراضات ضخمة من المجتمع المحلي والهيئات الحكومية والتشريعية، بسبب كمّ التجاوزات والمخالفات المقترنة بذلك المشروع . وبرغم التلميع الإعلامي لشخصية آهوك باعتباره نموذجًا مشرفًا للشخصية الصينية الجادة في العمل، فإن الكثيرين لديهم رأي آخر عنه، بسبب تهجيره لسكان العشوائيات من المسلمين الفقراء، وإجبارهم على إخلاء مساكنهم في جاكرتا، ونقلهم لمناطق سكنية بعيدة، في إطار خطته الماكرة بحجّة تطوير المدينة، الأمر الذي ينظر إليه من قبل البعض على أنه تفريغ للعاصمة من السكان الأصليين لتعزيز الوجود الصيني بها في المقابل . وما زاد الطين بلة بالنسبة لآهوك هو تعليقه السلبي على آية كريمة في سورة المائدة، حيث أبدى استياءه من الاهتداء بالقرآن في الحياة السياسية، وذلك في سبتمبر/أيلول العام الماضي، وهو ما أشعل عاصفة ضخمة من الاحتجاجات والتظاهرات أمام القصر الرئاسي، تزعمتها حركة الدفاع عن الإسلام بقيادة الشيخ الحبيب رزق شهاب، خضع بعدها آهوك للتحقيق، وهبطت شعبيته بشكل كبير، بل سرت شائعات عن محاولات للإطاحة بالرئيس جوكو ويدودو، الذي نزل بنفسه إلى المحتجين وحاول تهدئتهم . وجاءت هزيمة آهوك في 19 أبريل/نيسان الماضي في انتخابات بلدية جاكرتا لتكبح طموحاته السياسية، إذ كان يعتبر نجاحه في المحافظة على منصب حاكم العاصمة مقدمة لوصوله لرئاسة البلاد، مثل ما فعل صديقه الرئيس ويدودو في 2014، لكن أغلبية الناخبين تكتلوا خلف المرشح المسلم، عربي الأصل، أنيس باسويدان، بعدما شهدت الحملات الانتخابية استقطابًا دينيًا وعرقيًا لافتًا، وتم إيداع آهوك السجن بعد هزيمته. إذ قررت المحكمة حبسه بالتهم السابقة . وشهدت الانتخابات انقسامًا بين أبناء الطائفة الصينية، فكان بعضهم يرى أن نجاح آهوك -حال حدوثه- نجاح للطائفة الصينية، بينما كان البعض الآخر يخشى من أنه قد يعزز من مشاعر الكراهية والإحساس بالظلم بين السكان الأصليين، الذين يرون في نجاحه اختطافًا للقرار السياسي في بلادهم، لاسيما بعد تصريحاته المتكررة التي أعلن فيها أنه يطمح في الوصول إلى قصر الرئاسة في انتخابات 2019، ليصبح حينها أول مواطن من الأقلّية الصينية يحكم إندونيسيا .
  • معالم في بناء الشخصية القوية

    لماذا نهتم بالحديث عن تنمية الشخصية وقوتها .. ؟ لا يمكن أن يستمر تقدم الإنسان على مستوى جسده بقوة واحدة بالتوازي مع تقدمه في العمر، كما لا يمكن أن تستمر كثير من المواد الخام كما هي، لأنها أشياء مستنفذة ..فالإنسان لا يمكن أن يعيش إلى الأبد وجسمه في تحسن دائم . في حين أن التقدم في المجال العقلي والروحي والنفسي والخلقي والاجتماعي ..هو تقدم مفتوح وليس هناك أسوار أو حدود لإيقاف تقدمنا على الصعيد الروحي والعقلي والاجتماعي، ولذلك حين نركز على تنمية الشخصية فإننا نركز على حقل هائل قابل للتنمية وللتجدد وللاستمرار إلى ما شاء الله .. ومن ناحية أخرى فإن تنمية الشخصية أمرٌ لا يحتاج منا إلى كثير مالٍ أو أدوات أو تقنيات غالباً، ولذلك يعتبر علماء النفس والاجتماع والمختصين بدراسة النفس الإنسانية تنمية الإنسان لشخصيته فرصة سانحة أمام الذين لا يملكون المال كالفقراء والمعدمين في حين أن كثيراً من أشكال التنمية الأخرى تحتاج إلى المال والأدوات والوسائل بل ..وإلى بيئات معينة وأشياء متعددة أخرى .. الشخصية القوية ..هي الشخصية النامية ..!! يعرف علماء النفس الشخصية القوية بأنها الشخصية التي تستمر في النمو والتطور، فصاحب العقلية المتحجرة .. ضعيف الشخصية ، ومن لا يستفيد من وقته وصحته وإمكانياته أو لا يستطيع أن يعدل من سلوكه ويقلع عن أخطائه .. فلا شك أنه ضعيف الشخصية . وقوة الشخصية تعني أيضا القدرة على الاختيار السليم، والتمييز بين الخير والشر، والصواب والخطأ، وإدراك الواقع الحاضر، وتوقع المستقبل .. فالنمو والتطوير شرطان أساسيان لكي تكون شخصيتك قوية ومثمرة في نفس الوقت . وموقف الشخصية القوية التي تجيد فن التعامل مع الناس ليس موقف من يستعرض عضلاته، مع حماس زائد وانفعال لا ضرورة له، فارتفاع الصوت في النقاش مثلا ليس دليلا على صحة القول .. إن الشخصية القوية والتي تجيد فن التعامل مع الآخرين تتسم بالهدوء وعدم الاكتراث بالمناقشات الصاخبة، وعدم فرض عقليتها على غيرها، فالثقة بالنفس والحجة القوية لا تحتاجان لإلزام أو انفعال أو صراخ . تأثير الوراثة والبيئة على نمو الشخصية : والوراثة ركن أساسي في تكوين الشخصية، ولاشك أن هناك من يولد أقوي شخصية من غيره، فكما يرث أحدنا الصفات الجسدية لآبائه وأمهاته كلون بشرته وتقاسيم وجهه، كذلك فإنه يرث صفاتهم النفسية بنسب معينة، ولكن ذلك لا يعني أن من لم يرث قوة الشخصية من آبائه فإنه لا يمكنه اكتسابها ... فالصفات التي نرثها ليست كلها من النوع الذي لا يمكن تبديله أوتغييره، ولا من النوع الذي لا يمكن الإضافة إليه بشكل أو بآخر، فظروف الحياة والتجارب التي يمر بها الإنسان وتصميمه وتحديه، كلها تشكل عوامل تساعده في اكتساب الصفات التي يرغب فيها في ذاته لتدعم شخصيته وهو ما يسمى ب (التربية الذاتية ). وفي السنة النبوية يقرر الإسلام أن الإنسان مفطور على جملة من الأمور التي هي استعدادات يولد الإنسان مزوداً بها دون أن يكتسبها من البيئة، وقد بينت السنة الشريفة التفاوت الفطري في الطبائع الخلقية، قال رسول صلى الله عليه وسلم : "إن بني آدم خلقوا من طبقات شتى، ألا وإن منهم البطيء الغضب سريع الفيء . .. ألا وخيرهم بطيء الغضب سريع الفيء، وشرهم سريع الغضب بطيء ا لفيء " ، وقوله صلى الله عليه وسلم :"الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ....". فالحديث الشريف أشار إلى أن التكوين الفطري يرافق الإنسان، ويصاحبه في كل أحواله، فالناس بينهم فروق كبيرة، فكما توجد فروق في المعادن، توجد فروق بين الناس، وكل شخص يختلف عن الآخر بمقدار ما فيه من استعدادات، وخصائص كامنة، والبيئة هي التي تؤثر في هذه الاستعدادات . كما أن الإسلام يقرر عدم خضوع السلوك الإنساني العقلي، والنفسي، والأخلاقي عموماً للوراثة، فالسلوك هو ثمرة، ونتيجة الفهم الواعي، والعقل الراجح، كما قرر من القرآن الكريم انعدام أثر الوراثة المطلق في السلوك، كما ورد في قصة ولدي آدم ونوح عليهما السلام.(عماد عبد الله محمد الشريفين : أثر الوراثة والبيئة في بناء الشخصية بتصرف ) أهمية القناعة بالتغيير للأفضل يظن كثير من الناس أن وضعه الحالي جيد ومقبول، أو أنه ليس الأسوأ على كل حال، وذلك آفة النظر إلى الفاشلين والمقارنة بالمهمّشين، والبعض الآخر يعتقد أن ظروفه سيئة وإمكانياته محدودة، ولذلك فإن ما هو فيه لا يمكن تغييره !! وهذا نوع ممقوت من جلد الذات الذي يورث القنوط واليأس واهتزاز رؤيته لإيجابياته وإمكاناته الذاتية . وهذه القناعات السلبية من أهم ما يعوق تنمية الشخصية وتطويرها ...ولذلك نذكر مثالاً لبعض القناعات التي تسبب لنا القوة والقناعات الأخرى التي تسبِّب لنا الضعف : فمن القناعات التي تسبِّبُ لنا القوة : - لم أستخدم بعدُ كل إمكاناتي، ولم أستثمر كل طاقاتي الكامنة . - ما من حالة ولا وضعية إلا وهي درجة من التحسين . - من خلال المثابرة في العمل أستدرك على ما يكون لديّ من نقص . - العلاقات الحسنة مع الناس باب من أبواب الرزق . - في سعة فضل الله تعالى - ما يكفي الجميع، ولذلك فلا داعي للحسد . - ما أكتسبه من معارف وخبرات أهم مما ورثته عن آبائي من إمكانات . - ما عند الله تعالى - يُنال بطاعته، وليس بمعصيته . - ما يُغلق باب إلا ويُفتح باب آخر . ومن القناعات التي تسبب الضعف : - لست مؤهّلاً لاحتلال مناصب قيادية . - لا فائدة من كثرة المحاولة مع معظم المشكلات التي تواجهني . - الذين حولي يكرهونني من غير سبب واضح . - العمل مع الناس متعب والأفضل الاستقلالية . - أنا لا أفهم إلا في المجال الفلاني، ومن الصعب تعلّم شيء في غيره . - لم يبق في العمر ما يستحق البدء بمشروع جديد . - عمق الشعور بالمسؤولية قال تعالى :" إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا " الأحزاب :72 - حين يشعر الإنسان بجسامة الأمانة المنوطة به، تتفتح له آفاق لا حدود لها للمبادرة للقيام بجزء من هذه المسئولية، كما يربي القرآن قارئه على أن المرء يجب أن يضع نصب عينيه اللحظة التي سيقف فيها بين يدي الله - عز وجل - فيسأله عما كان منه ..وذلك بعبارة غاية في الوضوح والقوة، قال تعالى :" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ " الحشر :19 ، 18 - إنّ التقزّم الذي نراه اليوم في كثير من الناس ما هو إلا وليد تبلد الإحساس بالمسؤولية والركون إلى الدعة والكسل الذي يسبب انهيار النفس أمام الصعاب ولو صغرت . - الإرادة الصلبة والعزيمة القوية يقول د .عبد الكريم بكار :في اعتقادي أن (الإرادة ) هي القوة الضاربة التي وهبها الخالق عز وجل - لبني البشر، وإن من شكر هذه النعمة العملَ على تصليبها، وتقويتها، ورفع مستوى العزيمة في خططنا وأعمالنا . ومن المعروف أنه لا يمكن إنجاز أي عمل إلا بتوافر شيئين : الإرادة والقدرة، وإذا تساءلنا : أيهما أعظم أهمية؟ فإنني لا أتردد في القول : إن الإرادة هي الأهم، وهي شرط لكل تغيير، بل وشرط لكل ثبات واستقامة، ولو أننا تأملنا في الإنجازات الحضارية الكبرى - لدى كل الأمم، وفي كل العصور - لوجدنا أنها مدينة للعزيمة والإصرار، ولا يغني عنهما علم ولا موهبة، والعالم مملوء بالموهوبين الفاشلين والمتعلمين العاطلين عن العمل !. (د .عبد الكريم بكار :تنمية الشخصية،ص :11 بتصرف ) - المجاهدة الحازمة للنفس : يحتاج الواحد منا إلى أن يُثْبِتَ نفسَه أمام نفسه، وذلك بحرمانها من بعض الأشياء، وبعدم الاستجابة لبعض وساوسها وخواطرها، فإذا حدثته نفسه بأن يترك العمل الذي بين يديه حتى يشرب كأساً من الشاي؛ فليرفض طلبها، أو ليقم بتأجيل تنفيذه ساعة . وإذا كان يجد نوعاً من المتعة في القراءة وهو مستلقٍ على السرير؛ فليحرمها من تلك المتعة، وليجلس خلف مكتب، وليمسك بقلم وهو يقرأ من أجل تلخيص بعض الأفكار ... إن مخالفة النفس تُشعر صاحبها بالقوة، وتجعل منجزاته ومكتسباته أكبر، وهذا ما يجعله يشعر بفوائد المجاهدة . قال الشيخ السعدي - رحمه الله - : " فإن النفس ميالة إلى الكسل عن الخيرات،أمارة بالسوء،سريعة التأثر عند المصائب، وتحتاج إلى صبر وجهاد في إلزامها طاعة الله، وثباتها عليها، ومجاهدتها عن معاصي الله، وردعها عنها، وجهادها على الصبر عند المصائب، وهذه هي الطاعات :امتثال المأمور ، واجتناب المحظور، والصبر على المقدور، فالمجاهد حقيقة :من جاهدها على هذه الأمور لتقوم بواجبها ووظيفتها ". - بهجة قلوب الأبرار (ص 21)-

Subscribe to AAT Newsletter for Free

Get Latest Business Opportunities...! Contact us for ALL you need...!

Subscribe